أذهب إلى أن فصل هيوم في المعجزات لا يمثّل عثرةً موضعيّة في تطبيق برهانٍ جانبيّ، ولا «فلتة» عارضة في هامش مشروعه، بل يكشف عن اختلالٍ بنيويّ عميق في جهازه المنهجي برمّته؛ اختلالٍ في تعاطيه مع قضايا الاستقراء، ومع مفهوم الاحتمال، ومع تخوم الضرورة والإمكان الراجح. فإذا نُظر إلى البنية الكامنة في Of Miracles نظرَ تحليلٍ منطقيٍّ صارم، تبيّن أنّ المحصّلة الفعليّة لحجّة هيوم ليست نفي المعجزات ، بل ترقية «قوانين الطبيعة» إلى مرتبة دوغمات ميتافيزيقيّة، وتعطيل العنصر الجوهري في الممارسة العلميّة التجريبيّة، أعني قابليّة نظريّاتها الدائمة للتصحيح والمراجعة والنقض.
هيوم يبتدئ بتعريف المعجزة بأنها خرق لقانونٍ من قوانين الطبيعة. وقانون الطبيعة عنده قضيّة كلّيّة مؤسسة على تكرار التجربة والعادة؛ نحو: «كل جسم ثقيل إذا تُرك في مجال الجاذبية سقط»، و«الماء في هذه الظروف يكون سائلًا»، ونحو ذلك من القضايا القانونيّة العامّة. هذه القضايا – على مقتضى الأصل التجريبي الذي يتبنّاه – لا يجوز أن تغادر من حيث وضعها المعرفي حيّزَ الخبر الاستقرائي الراجح، إلى رتبة الضرورة العقليّة التي من قبيل استحالة اجتماع النقيضين. غير أنّ هيوم، في اللحظة التي يستدعي فيها مفهوم المعجزة، يقوم بحركة منهجيّة مستترة: يبدّل المستوى دون أن يصرّح؛ فيعامل تلك القضايا الاستقرائيّة بوصفها أحكامًا لازمة لا تقبل التخلّف في أيّ عالم ممكن، ثم يضبط تعريف المعجزة على أنها نقيض مباشر لهذه الأحكام نفسها. وبمجرد تركيب التعريف على هذا النحو، لا تعود المعجزة حادثةً نادرة الاحتمال ضمن أفق الطبيعة، بل تغدو – بحكم التعريف ذاته – واقعة ممتنعة بالضرورة، خارجة من فضاء الإمكان ابتداءً.
وإذا أعدنا صوغ هذا البناء في لغة الاحتمال، بان الخلل بأوضح صورة. هيوم لا يكتفي بأن يجعل التجربة الماضية تُرجِّح قانونًا معيّنًا، بل يتصرّف كمن يقرّر:
P(L ∣ E) = 1
حيث L هو القانون العام، و E مجموع الشواهد التجريبيّة السابقة. والمعجزة M، بما أنّها – بحسب تعريفه – خرقٌ لذلك القانون، تُعامَل مضمونًا بوصفها نقيض L؛ فيلزم أن تُسجَّل في الحساب على أنّ:
P(M ∣ E) = 0
ومن ينسب إلى قضيّة واقعيّة احتمالًا مساويًا للصفر بهذا المعنى لا يترك أي مجالٍ لتأثّر حكمه لاحقًا بأي قدرٍ من الشهادة أو التكرار؛ فـ«الصفر الاحتمالي» هنا ليس درجةً ضعيفة من الترجيح، بل حاجزًا ميتافيزيقيًّا مطلقًا: ما دخل فيه أُخرِج من حقل الممكنات، وصار في حكم المحال المنطقي. وعند هذه الدرجة يتبيّن أنّ كلّ حديث هيوم عن «موازنة» بين: (١) احتمال وقوع المعجزة، و(٢) احتمال كذب الشهود أو توهّمهم، ليس إلا إطارًا صوريًّا للتجميل؛ إذ أحد طرفي المعادلة قد صُفِّر مسبقًا، وانتهى البحث قبل أن يُفتح.
هذه هي الحركة الميتافيزيقيّة الكامنة خلف لغة الاحتمال عند هيوم: ما يُقدَّم في ظاهر الخطاب بوصفه ثمرة «روح العلم» و«حساب الاحتمال» ليس في حقيقته سوى تنفيذٍ لافتراض قبليّ صيغته الجوهرية: «لا يوجد في أيّ عالم ممكن حدث واقعيّ يكون مضمونه خرق قانون الطبيعة». فإذا تقرّر هذا الافتراض، غدا إنكار المعجزات تحصيلَ حاصل؛ إذ يكفي حينئذٍ أن تُعرَّف المعجزة تعريفًا يُضادّ القانون في المضمون، ثم تُستبعَد من فضاء الإمكان بالتعريف نفسه. غير أنّ موضع النزاع الحقيقي هو: هل يحقّ لعقلٍ يعلن خضوعه لمنهج التجربة أن يرفِّع قضايا استقرائيّة تجريبيّة إلى مقام القضايا التي لا يُتصوَّر خلافها، ثم يستعمل هذا الرفْع لإعدام كلّ ما يناقضها قبل أن يدخل أصلًا في ساحة النظر؟
الاستقراء المنضبط – بما هو منهج – لا يجيز هذا الرفْع. فالقضايا العلميّة من قبيل «كل F هو G» (في الفيزياء مثلًا) هي – في تحليلها المفهومي – قضايا كلّيّة ظنيّة قائمة على تراكم المشاهدات، لا على ضرورة ذاتيّة في الموضوع تُلزم المحمول. النماذج البايزية تجسّد هذا التصوّر بدقّة رياضيّة: إذا وُجدت n حالة من نوع F تلازمها في كلّ مرّة نتيجة من نوع G، فإن احتمال أن تتّصف الحالة التالية بـ G يمكن أن يُصاغ – بحسب النموذج – على هيئة (n+1)/(n+2) أو (n+k)/(n+k′) وأشباه ذلك. هذا الاحتمال يقترب من 1 كلما تضخّم n، لكنّه لا يبلغه أبدًا؛ فيظل الباب – من حيث المبدأ – مفتوحًا لحالةٍ تُخالف النمط وإن كانت نادرة إلى أقصى الحدود. المعجزة – من جهة البنية الاحتماليّة الخالصة – ليست إذن «محالًا منطقيًّا»، بل حدثًا ذا احتمال متناهٍ في الضآلة، يُنظر في قبوله أو ردّه تبعًا لما ينهض له من شواهد وقرائن وتعاضد شهود.
أمّا إذا رُفعت القضايا الاستقرائيّة إلى مستوى الاحتمال 1، وقع الانقلاب المنهجي: لا يبقى ثَمّ موضع لأيّ تجربة جديدة يمكن أن تعمل عمل «المخصِّص» أو «الناقض» للقانون؛ لأن كلّ حدث يخالفه يكون – بحكم الفرض – مستحيلًا. افترض قانونًا فيزيائيًّا L بُني على ملايين الملاحظات، ثم عومل على أنّه يقين لا يأتيه الباطل. إذا وردت تجربة جديدة E′ تشير إلى حدث M يبدو – بحسب الوصف – استثناءً لـ L، فإن المنظومة الهيوميّة تحاصر العقل وتُلزمه بأحد خيارين لا ثالث لهما: (١) إمّا الإصرار على أنّ P(M ∣ E) = 0 مهما تكاثرت المعطيات المؤيّدة له، فلا يرقى أبدًا إلى مرتبة القبول؛ (٢) وإمّا الحكم ابتداءً بأنّ التجربة E′ وهمٌ أو خلل أو خداع، لمجرّد أنّ نتيجتها تُضادّ ما رُفع إلى مقام اليقين.
في كلا المسلكين يكون القانون قد أُحصِّن ضدّ جميع صور المراجعة، ويكون جوهر المنهج التجريبي – القائم على إمكان التعديل والنقض – قد أُفرغ من محتواه. وتاريخ العلوم يشهد بأن الكثير ممّا عُدّ «قانونًا نهائيًّا» في عصرٍ ما لم يصمد أمام تراكم الشواهد الجديدة؛ من الحتميّة الكلاسيكيّة، إلى نموذج الكون الساكن، إلى غير ذلك من المسلّمات التي بدت، في عيون أهلها، أصولًا لا تتزلزل.
ومثال الأمير الهندي الذي يستحضره هيوم نفسه يصلح مرآةً كاشفةً لهذا الخلل. الأمير لم يُعاين من أحوال الماء إلا كونه سائلًا؛ فلما أُخبِر بتجمّده في بلاد أخرى، استنكر أشدّ الاستنكار. إذا صغنا خبرته في صورة قضيّة عامّة: «الماء – بحسب تجربتي – لا يكون إلا سائلًا في جميع الظروف التي عهدتها»، ثم رُفع هذا التعميم إلى مقام اليقين، كان تجمّد الماء – في حقّه – حدثًا لا احتمال له أصلًا. لا يعود لشهادة الأوروبيّين، مهما تكاثروا، أيّ أثر في تعديل حكمه؛ لأنّهم يقررون وقوع ما هو – في منظومته – خارج حقل الإمكان. ونحن اليوم نعلم أنّ خطأ الأمير ناشئ عن ضيق أفق تجربته؛ إذ لم يجرّب درجات الحرارة المنخفضة، فبنَى تعميمًا استقرائيًّا سابقًا لأوانه. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي يضمن لهيوم – في مقام حديثه عن المعجزات – أنه لم يقترف الخطأ المعرفي ذاته في نطاقٍ أوسع، بأن ضيّق أفق التجربة المقبولة في باب «الطبيعة»، ثم رفع تعميمه إلى رتبة ما لا يُعقَل خلافه؟
التمييز الذي يحاول هيوم ترسيخه بين «العجيب الطبيعي» و«المعجزة» لا يتأسّس على معيار احتمالي صرف، بل يستند إلى موقف ميتافيزيقي سابق. «العجيب الطبيعي» حادثة ذات احتمال ضعيف جدًّا داخل فضاء الإمكان الذي ترسمه القوانين؛ كاجتماع وجوه النرد على وجه واحد في مئة رمية. فإذا كنّا نقبل هذه الحوادث النادرة – في ضوء التواتر التجريبي والشهودة – لم يبق منسجمًا أن نقرّر في المقابل: «كلّ حدث نادر ذي دلالة دينيّة محال من حيث الاحتمال». ما دام الفعل الإلهي لم يُستبعد من بنية العالم استبعادًا ميتافيزيقيًّا صريحًا، فإنّ «العجيب ذا الدلالة الدينيّة» يبقى – من حيث الإطار الاحتمالي المحض – في الفضاء نفسه الذي يتحرّك فيه «العجيب الطبيعي»، وإن اختلفت بطبيعة الحال طبيعة الشروط والقرائن اللازم توافرها لقبوله.
Discussion about this post
No posts


