إذا أريد الوقوف على نظرية شيخ الإسلام ابن تيمية في الاجتماع السياسي، فإن أول ما ينبغي تجنبه هو البدء بالدولة أو السلطة أو الإمامة، لأن هذه كلها فروع لا أصول، ونتائج لا مقدمات. والبحث العلمي لا يستقيم إذا عكس ترتيب المسائل، إذ من المحال أن تفهم النتيجة قبل معرفة الأصل الذي تفرعت عنه، كما أن الفرع لا يستقل عن أصله وجودًا ولا تصورًا.
ولهذا لم يبدأ شيخ الإسلام بالكلام على الإمارة، ولا على وظائف السلطان، ولا على نظام الحكم، وإنما رجع إلى السؤال الأول الذي تتفرع عنه جميع هذه المباحث، وهو سؤال الإنسان. فما طبيعة الإنسان؟ وهل يستطيع أن يعيش مستقلًا بنفسه؟ أم أن في أصل خلقته وصفًا يوجب عليه الاجتماع بغيره؟
وفي الجواب عن هذا السؤال قرر رحمه الله أصلًا يعد من أهم الأصول المؤسسة لنظريته في الاجتماع، فقال:
«فإن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع مضرتهم، فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف، ولهذا كان الوفاء بالعهود من الأمور التي اتفق أهل الأرض على إيجابها لبعضهم على بعض، وإن كان منهم القادر الذي لا يوفي بذلك، كما اتفقوا في إيجاب العدل والصدق، فإذا اتفقوا وتعاقدوا على اجتلاب الأمر الذي يحبونه ودفع الأمر الذي يكرهونه أعان بعضهم بعضًا على اجتلاب المحبوب ونصر بعضهم بعضًا على دفع المكروه، ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره...».
جامع الرسائل (2/307).
يؤسس شيخ الإسلام بهذا التقرير لأصل بالغ العمق، وهو أن الاجتماع ليس ظاهرة طارئة في حياة الإنسان، ولا مجرد اختيار أملاه تطور الحضارة، وإنما هو مقتضى الطبيعة الإنسانية نفسها. ولذلك لم يقل إن الاجتماع أنفع للإنسان، أو أكمل له، بل نفى إمكان عيشه على جهة الانفراد، فقال: «لا يمكن عيشهم». وهذا النفي ليس نفيًا للأفضلية، وإنما هو نفي للإمكان المعتاد الذي تقوم به مصالح البشر، وفي ذلك دلالة على أن الافتقار إلى الغير داخل في حقيقة الاجتماع الإنساني، وليس أمرًا خارجًا عنها.
ومن هنا يظهر أن ابن تيمية لا يبني نظريته على فرضيات ذهنية مجردة، بل ينطلق من تحليل الواقع الإنساني كما هو. فالإنسان عنده مخلوق محدود القدرة، متناهي الوسع، لا يملك أن يستجمع بنفسه جميع ما تتوقف عليه حياته. فهو محتاج إلى من يعلمه، وإلى من يصنع له، وإلى من يزرع له، وإلى من يحميه، وإلى من يعاونه في تحصيل مصالحه ودفع مضاره. وهذا الافتقار المتبادل ليس عيبًا في الإنسان، بل هو من السنن التي أقام الله عليها العمران.
ولهذا لم يجعل شيخ الإسلام الاجتماع ثمرة اتفاق سابق، بل جعل الاتفاق نفسه ثمرة للاجتماع. فالناس لا يجتمعون لأنهم تعاقدوا، وإنما يتعاقدون لأنهم اجتمعوا، ولا يجتمعون لأنهم أرادوا مجرد الاجتماع، وإنما لأن طبيعتهم اقتضت ذلك. وبهذا يقلب الترتيب الذي وقع فيه كثير من التصورات التي تجعل العقد هو المنشئ الأول للمجتمع، بينما يجعله شيخ الإسلام وسيلة لتنظيم واقع سابق عليه.
ومن تأمل عبارته وجدها مبنية على تدرج منطقي دقيق. فالافتقار أوجب الاشتراك، والاشتراك أوجب الاتفاق، والاتفاق أوجب التعاقد، والتعاقد أوجب الوفاء، والوفاء اقتضى الصدق، ثم انتهى الأمر إلى العدل بوصفه الأصل الذي تنتظم به هذه المراتب كلها. وليس هذا ترتيبًا إنشائيًا في العبارة، بل ترتيب برهاني، إذ كل مرتبة تتولد عما قبلها، ولا تستقيم إلا بها.
وهذا من دقائق منهج شيخ الإسلام، فإنه لا يلقي النتائج ابتداءً، بل يبنيها على مقدمات تقتضيها. فإذا انتهى إلى تقرير العدل، لم يكن قد ابتدأ قضية جديدة، وإنما كان قد بلغ النتيجة الطبيعية لمسار بدأ بتحليل الإنسان نفسه. ولهذا فإن من يقتطع كلامه في العدل عن هذا السياق، يفقد القدرة على إدراك البناء الذي انتهى إليه.
ومن هنا يتبين أن نظرية ابن تيمية في الاجتماع ليست نظرية سياسية في أصلها، وإنما هي نظرية إنسانية أولًا، لأن السياسة عنده لا تنشأ إلا بعد الاجتماع، والاجتماع لا ينشأ إلا بعد الإنسان، ومن عكس هذا الترتيب فقد عكس البناء الذي أقامه شيخ الإسلام من أساسه.
ولم يقف شيخ الإسلام عند تقرير ضرورة الاجتماع، بل انتقل إلى بيان العلة التي أوجبت هذه الضرورة، فجعلها راجعة إلى الاشتراك في جلب المنافع ودفع المضار. وهذا الاختيار ليس مجرد وصف لحال البشر، وإنما هو تأسيس لقاعدة كلية، لأن ما كان سببًا في وجود الشيء كان هو المفتاح لفهم جميع ما يترتب عليه من الأحكام.
ولهذا لم يعلل الاجتماع بوحدة النسب، ولا بالمجاورة، ولا بمجرد الميل الفطري إلى الأنس، مع أن هذه كلها قد توجد، وإنما رده إلى أصل أعم، وهو افتقار الإنسان إلى ما لا يستقل بتحصيله. فحيث وجدت المصلحة التي يعجز الفرد عن تحصيلها وحده، أو وجدت المضرة التي لا يقدر على دفعها منفردًا، وجد مقتضي الاجتماع. وبهذا يصبح الاجتماع ضرورة عقلية ناشئة عن طبيعة الإنسان، لا مجرد ظاهرة اجتماعية قابلة للوجود والعدم.
ومن هنا تظهر دقة قوله: «بما يشتركون فيه». فإن الاشتراك عنده ليس أثرًا من آثار الاجتماع، بل هو المادة التي يقوم عليها الاجتماع نفسه. فالناس لا يجتمعون ثم تنشأ بينهم المصالح، وإنما تنشأ المصالح المشتركة أولًا، ثم تستدعي من التعاون ما يحفظها ويحققها. ولهذا كان الاشتراك سابقًا في الرتبة على جميع الصور التنظيمية التي تنشأ بعده.
ثم رتب شيخ الإسلام على هذا الاشتراك التعاقد والتحالف، وهو ترتيب يكشف عن منهج بالغ الإحكام. فإنه لم يجعل العقد منشئًا للمجتمع، بل جعله وسيلة لتنظيم العلاقات التي اقتضاها الاجتماع من قبل. فالتعاقد عنده لا يخلق المصالح، وإنما يحدد كيفية حفظها، ولا يوجد الحقوق من العدم، وإنما يبين وجوه استيفائها وصيانتها.
وهذا من المواضع التي يظهر فيها الفرق بين النظر إلى المجتمع باعتباره حقيقة طبيعية، وبين النظر إليه باعتباره صناعة إرادية محضة. فشيخ الإسلام يجعل الإرادة متعلقة بتنظيم الاجتماع، لا بإيجاد أصله. أما أصل الاجتماع فمتقدم على الإرادة، لأنه من مقتضيات الخلقة التي فطر الله الناس عليها.
ومن هنا أيضًا يتبين أن الحقوق ليست أمرًا طارئًا على الاجتماع، بل هي من لوازمه. فمتى اشترك الناس في مصلحة، نشأ بينهم حق يتعلق بحفظها، ومتى اشتركوا في دفع مضرة، نشأ بينهم واجب يتعلق بمنع أسبابها. ولهذا لم يحتج شيخ الإسلام إلى إثبات الحقوق بعد قيام المجتمع، لأن قيام المجتمع نفسه يقتضيها.
ولهذا عقب مباشرة بذكر الوفاء والصدق والعدل، ولم يكن انتقاله من باب الأخلاق إلى باب السياسة، كما قد يتوهم، بل كان انتقالًا من بيان أصل الاجتماع إلى بيان الشروط التي تحفظه. فإن التعاقد الذي لا وفاء فيه يفقد أثره، والوفاء الذي لا يقوم على الصدق لا يورث الثقة، والاجتماع الذي لا يحكمه العدل يتحول إلى سبب للنزاع بعد أن كان وسيلة لجلب المصالح ودفع المفاسد.
ويكشف هذا الترتيب عن أن العدل عند شيخ الإسلام ليس فضيلة تضاف إلى المجتمع بعد قيامه، وإنما هو مقتضى لازم لطبيعة الاجتماع نفسه. فإذا كان الاجتماع قد نشأ لحفظ المصالح المشتركة، كان الظلم نقضًا للغاية التي من أجلها وجد الاجتماع، لأن الظلم يفضي إلى إهدار الحقوق التي اقتضت الاجتماع ابتداءً.
ولهذا لا يذكر شيخ الإسلام العدل في هذا الموضع على جهة الترغيب الوعظي، وإنما يذكره على جهة التأسيس العقلي. فهو يبين أن الاجتماع إذا كان قائمًا على التعاون، والتعاون قائمًا على الثقة، والثقة قائمة على الوفاء، والوفاء قائمًا على حفظ الحقوق، فإن العدل يصبح ضرورة عقلية يقتضيها هذا البناء بأسره، لا حكمًا منفصلًا يمكن الاستغناء عنه.
ومن هنا يبدأ وجه عبقرية ابن تيمية في هذا الباب بالظهور. فهو لا يعالج السياسة من أعلاها، بل من جذورها. ولا يبدأ بالسلطان، بل بالإنسان. ولا يبدأ بالقانون، بل بالحاجة التي أوجبت وجود القانون. ولهذا جاءت نظريته متماسكة، لأن كل نتيجة فيها متولدة عن مقدمة قبلها، حتى ينتهي البناء إلى تقرير أن العدل ليس خيارًا سياسيًا، بل هو النتيجة اللازمة لطبيعة الاجتماع الإنساني نفسه.
ويبقى في تقرير شيخ الإسلام أصل دقيق، وهو أنه لم يجعل الالتزام موقوفًا على مجرد الألفاظ، بل رده إلى حقيقة الاجتماع نفسها. ولهذا قال: «ولو لم يتعاقدوا بالكلام فنفس اشتراكهم في أمر يوجب عليهم اجتلاب ما يصلح ذلك الأمر المشترك ودفع ما يضره». وهذه العبارة من أدق ما كتب في تأسيس الالتزام الاجتماعي، لأنها تنقل البحث من دائرة الصيغ إلى دائرة الحقائق.
فهو يقرر أن الاشتراك في المصلحة ليس واقعة مجردة، بل هو سبب منشئ لجملة من الحقوق والواجبات. فإذا اشترك الناس في أمر يجمعهم، لزمهم بحكم ذلك الاشتراك المحافظة عليه، والعمل على تحقيق ما يصلحه، ومنع ما يفسده. فالعقد اللفظي يؤكد هذا الالتزام وينظمه، لكنه ليس مصدره الوحيد، لأن مصدره الأعم هو نفس الاجتماع الذي فرضته طبيعة الإنسان.
وهذا التقرير يكشف عن أصل كلي في منهج شيخ الإسلام، وهو أن الأحكام لا تدور مع الألفاظ المجردة، وإنما تدور مع الحقائق والمعاني التي تقتضيها. ولهذا لم يحصر الالتزام في صورة مخصوصة، بل ربطه بالوصف المؤثر الذي تنشأ عنه الحقوق، وهو الاشتراك في المصلحة العامة. فحيث وجد هذا الوصف، وجد مقتضاه، سواء عبر عنه بعقد مكتوب، أو عهد منطوق، أو قامت عليه الحال التي لا يرتاب فيها العقلاء.
ومن هنا يتبين أن الاجتماع عند شيخ الإسلام ليس مجرد كثرة عددية، بل هو رابطة تنشئ آثارًا موضوعية. فمجرد اجتماع الأفراد لا يكفي حتى يوجد بينهم نظام، وإنما الذي ينشئ النظام هو اشتراكهم في المصالح التي لا يستغنون عنها، لأن الاشتراك هو الذي يوجب التعاون، والتعاون هو الذي يستدعي الحقوق والواجبات، ثم يفتقر الجميع إلى ميزان يحفظها من الاختلال.
ولهذا جاء بعد ذلك ذكر الوفاء والصدق والعدل على نسق واحد، لأن هذه ليست معاني متجاورة، بل حلقات في بناء واحد. فالوفاء يحفظ العهد، والصدق يحفظ الثقة، والعدل يحفظ الحقوق. وإذا اختلت واحدة من هذه المراتب، انتقل الخلل إلى ما بعدها، حتى ينتهي إلى اضطراب الاجتماع نفسه.
وعند هذه المرحلة يكتمل الأساس الذي أقامه شيخ الإسلام لنظريته في الاجتماع. فقد أثبت أولًا أن الإنسان مفتقر بطبعه إلى غيره، ثم بين أن هذا الافتقار يوجب الاشتراك، وأن الاشتراك يوجب التعاون، وأن التعاون يوجب التزامات متبادلة، وأن هذه الالتزامات لا تستقر إلا بقيام العدل. وبهذا لم يعد العدل قضية منفصلة عن الاجتماع، بل أصبح النتيجة الضرورية للمقدمات التي سبق تقريرها.
ومن هنا يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية من البناء، وهي بيان كيف انتقل شيخ الإسلام من تقرير العدل بوصفه ضرورة للاجتماع، إلى تقريره بوصفه الأصل الذي تقوم به الدولة والعمران. فالدولة في تصوره ليست ابتداء البناء، وإنما الحلقة التي تتولى حفظ النظام الذي اقتضته طبيعة الاجتماع الإنساني منذ نشأته.
وقبل الانتقال إلى الكلام على الدولة، يحسن الوقوف عند مسلك شيخ الإسلام في الاستدلال، لأنه يكشف عن سر التماسك الذي تمتاز به نظريته. فإنه لا يبتدئ بالنتائج ثم يلتمس لها الأدلة، وإنما يبدأ بالأصول التي يقر بها العقل، ثم يرتقي منها إلى لوازمها ارتقاءً لا يظهر فيه انقطاع بين المقدمة وما تقتضيه.
فأصل البحث عنده هو الإنسان، لأنه موضوع الاجتماع. ثم يثبت افتقار الإنسان إلى غيره، لأن هذا الافتقار أمر تدل عليه المشاهدة ولا ينازع فيه عاقل. ثم يجعل الاشتراك لازمًا لهذا الافتقار، لأن الحاجة المتبادلة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى التعاون. ثم يجعل التعاقد صورةً من صور تنظيم هذا التعاون، لا منشأً له. ثم يبين أن كل تنظيم يفتقر إلى أصول تحفظه، فيذكر الوفاء والصدق والعدل. فالبناء بأسره ينتقل من قضية إلى أخرى انتقال اللزوم، لا انتقال المجاورة.
ولهذا لا يجد القارئ في كلامه دعوى مجردة تحتاج إلى إثبات من خارجها، لأن كل نتيجة قد استوفت مقدماتها قبل الوصول إليها. وإذا كانت المقدمات ثابتة، كانت النتائج ثابتة بثبوتها. وهذه هي القوة البرهانية التي تمتاز بها طريقته في تقرير المسائل، فإنها تجعل البناء مترابطًا بحيث يؤدي إنكار النتيجة إلى إنكار أصل من الأصول التي قامت عليها.
ومن هنا يظهر أن العدل عند شيخ الإسلام ليس اختيارًا بين بدائل سياسية متعددة، بل هو مقتضى لازم للبناء الذي سبق تقريره. لأن الاجتماع إذا كان ضرورة، وكانت الضرورة قد أوجبت اشتراك الناس في المصالح، وكان هذا الاشتراك قد أوجب حقوقًا متبادلة، امتنع حفظ هذه الحقوق بغير العدل. فليس العدل أمرًا خارجًا عن الاجتماع، بل هو الوصف الذي يحفظه من التناقض والفساد.
وعلى هذا الأساس لا يكون الظلم مجرد مخالفة خلقية، بل يكون نقضًا للأصل الذي قام عليه الاجتماع. لأن الظلم في حقيقته إخراج للحقوق عن مواضعها، فإذا خرجت الحقوق عن مواضعها، بطل المقصود الذي من أجله تعاون الناس واجتمعوا. ولهذا لم يكن الظلم عند شيخ الإسلام سببًا لفساد بعض العلاقات فحسب، بل سببًا لاختلال العمران من أساسه.
وهنا يتهيأ البناء للانتقال إلى مرحلته التالية. فإذا كان الاجتماع يقتضي العدل ضرورة، وكان العدل لا يستقيم بمجرد إرادة الأفراد، لزم وجود جهة تتولى حراسته، وتمنع الاعتداء عليه، وتلزم الناس بما يقتضيه من حقوق وواجبات. وعند هذه النقطة تبدأ وظيفة الدولة في تصور شيخ الإسلام، لا بوصفها منشئةً للاجتماع، بل بوصفها حارسةً للنظام الذي أوجبه الاجتماع نفسه.
إذا كان الاصل الأول قد انتهى إلى أن الاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا بقيام العدل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما منزلة العدل في النظام السياسي؟ وهل هو مجرد وصف حسن للدولة إذا اتصفت به، أم أنه أصل تتوقف عليه حقيقة قيامها واستمرارها؟
وهنا يظهر عمق تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه لم يجعل العدل أمرًا تابعًا للدولة، بل جعله سابقًا عليها من جهة المعنى، لأن الدولة لا تكتسب مشروعيتها من مجرد وجود السلطة، وإنما من قيامها بالوظيفة التي من أجلها وجدت، وهي حفظ مصالح الناس ومنع أسباب الفساد بينهم.
ولهذا قرر رحمه الله قاعدة عظيمة فقال:
««وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم. ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة».»
مجموع الفتاوى (28/146-147).
يفتتح شيخ الإسلام هذا التقرير ببيان قاعدة تتعلق بطبيعة الاجتماع، لا بمجرد الحكم السياسي. فقوله: «وأمور الناس تستقيم» أوسع من أن يختص بالسلطان أو الإدارة، لأنه يتعلق بكل ما يدخل في نظام حياة الناس من علاقات وحقوق ومصالح. وهذا يكشف أن العدل عنده ليس وظيفة جزئية من وظائف الدولة، بل هو الأصل الذي تنتظم به جميع الوظائف.
ثم يأتي تقريره المركزي: «العدل نظام كل شيء». وهذه العبارة من أوجز عباراته وأعمقها دلالة، لأنه لم يجعل العدل سببًا من أسباب النظام، بل جعله النظام نفسه. والنظام هو ما تنتظم به الأجزاء، وتتحدد به العلاقات، ويستقيم به سير الكل. فإذا كان العدل هو النظام، كان فقده مؤديًا إلى اختلال البناء من أساسه، لا إلى نقص في بعض جوانبه فقط.
وهنا تظهر دقة المصطلح عند شيخ الإسلام. فإن الدولة لا تقوم حقيقة بمجرد اجتماع القوة والسلطة، لأن القوة المجردة لا تنتج استقرارًا دائمًا. وإنما قيام الدولة مرتبط بوجود المبدأ الذي يجعل هذه القوة منتظمة في غاية صحيحة، وهذا المبدأ هو العدل. فالسلطة التي تنفصل عن العدل تتحول من أداة لحفظ الاجتماع إلى سبب في اضطرابه.
ومن هنا نفهم لماذا قدم شيخ الإسلام العدل على الاعتبارات الأخرى التي قد يظن بعض الناس أنها أساس قيام الدول. فالقوة والمال والتنظيم كلها أسباب معتبرة، لكنها أسباب لا تعمل عملها إلا إذا انتظمت داخل ميزان العدل. أما إذا فقد هذا الميزان، فإن هذه الوسائل نفسها قد تتحول إلى أدوات لإهدار الحقوق بدل حفظها.
ولهذا فإن تقريره ليس مجرد نصيحة أخلاقية للحكام، وإنما هو تحليل لسنن العمران. فهو يقرر أن هناك علاقة لازمة بين طريقة إدارة الحقوق وبين بقاء النظام الاجتماعي. فإذا كانت الحقوق محفوظة استقر الاجتماع، وإذا كانت مهضومة نشأ الاضطراب، لأن الإنسان لا يستمر في نظام يهدم الغاية التي من أجلها قبل الاجتماع أصلًا.
وهذا هو امتداد مباشر لما قرره في الفصل الأول. فالإنسان اجتمع لأنه محتاج إلى التعاون، والتعاون لا يتحقق إلا بحفظ المصالح المشتركة، وحفظ المصالح المشتركة لا يكون إلا بالعدل. ومن ثم فإن العدل ليس عنصرًا أضيف إلى الاجتماع بعد قيامه، بل هو الشرط الذي يحفظ الاجتماع منذ البداية، ثم ينتقل أثره إلى الدولة بوصفها أعلى صورة لتنظيم هذا الاجتماع.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا تأملنا طريقة شيخ الإسلام في ربط قيام الدولة بالعدل. فإنه لم يقل إن الدولة تقوم بالقوة فقط، ولا جعل بقاءها متوقفًا على مجرد القدرة على الإلزام، بل رد الأمر إلى أصل أعمق، وهو انتظام العلاقات التي يقوم عليها المجتمع. فالسلطة قد توجد من حيث الصورة، ولكنها لا تستقيم من حيث الحقيقة إلا إذا قامت بالعدل، لأن وجود الأداة لا يساوي تحقق الغاية.
وهذا يبين أن الفرق عنده ليس بين دولة قوية ودولة ضعيفة فحسب، وإنما بين نظام ينتظم على أساس صحيح، ونظام يحمل أسباب فساده في داخله. فإن الظلم ليس مجرد خطأ في توزيع بعض الحقوق، بل هو خلل في المبدأ الذي يحكم توزيع الحقوق. وإذا كان النظام السياسي قائمًا على مبدأ فاسد، فإن ما يظهر فيه من قوة لا يمنع مآله إلى الاضطراب، لأن القوة لا تعالج فساد الأصل الذي يقوم عليه البناء.
ومن هنا نفهم قوله: «يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة». فإن المقصود ليس تسوية الإيمان والكفر، ولا جعل العدل بديلًا عن الدين، وإنما بيان سنة من سنن الله في الاجتماع. فالدنيا لها قوانينها التي جعلها الله فيها، ومن هذه القوانين أن الاجتماع لا يستقيم مع الظلم، لأن الظلم يناقض العلة التي من أجلها اجتمع الناس، وهي التعاون على تحصيل المصالح ودفع المفاسد.
وهذا من المواضع التي يظهر فيها الجمع عند شيخ الإسلام بين الشرع والنظر العقلي. فهو لا يفصل بين أحكام الشريعة وبين سنن الاجتماع، بل يرى أن الشرع جاء موافقًا لما تقوم به مصالح الناس. ولذلك فإن العدل ليس مجرد حكم تعبدي لا يدرك معناه، بل هو أيضًا مقتضى الفطرة والعقل، لأن كل إنسان يدرك أن استقرار المعاملات وحفظ الحقوق لا يمكن أن يتحقق مع إهدار الحقوق والاعتداء عليها.
ولهذا فإن حديثه عن العدل يتجاوز حدود الأخلاق الفردية إلى تأسيس نظرية في العمران. فالعدل عنده ليس أن يكون الحاكم عادلًا في نفسه فقط، وإنما أن يقوم النظام كله على وضع الأمور في مواضعها، وإعطاء الحقوق لأهلها، ومنع أسباب التعدي. ولهذا كانت وظيفة الدولة الحقيقية هي تحقيق هذا المعنى العام، لا مجرد إدارة شؤون الناس.
ومن هنا يتبين أن شيخ الإسلام لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مصدر النظام، بل باعتبارها إحدى صور انتظامه. فالنظام أسبق من الدولة من جهة المعنى، لأن الدولة لا تكون صالحة إلا إذا قامت على أصل يحكمها. وهذا الأصل هو العدل الذي يضبط استعمال القوة، ويحول السلطة من مجرد قدرة على الفعل إلى ولاية مقيدة بمقصود شرعي وعقلي.
وعلى هذا الأساس يظهر أن قول شيخ الإسلام: «العدل نظام كل شيء» ليس جملة مستقلة عن بقية مشروعه، بل هو نتيجة لمسار طويل يبدأ بالإنسان وينتهي بالدولة. فالإنسان محتاج إلى الاجتماع، والاجتماع محتاج إلى حفظ المصالح، وحفظ المصالح محتاج إلى العدل، والعدل يحتاج في الواقع العام إلى سلطة تقيمه وتحرسه. ومن هنا تتحدد وظيفة الدولة في البناء التيمي: ليست إنشاء الحق، وإنما إقامته، وليست إنتاج العدل، وإنما حمل الناس عليه وصيانته.
وهذا يقود إلى بحث مسألة أخرى، وهي أن العدل عند شيخ الإسلام ليس مفهومًا مجردًا منفصلًا عن الحقوق، بل هو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحفظها. فالدولة العادلة ليست التي ترفع شعار العدل، وإنما التي تجعل الحقوق في مواضعها، وتمنع الاعتداء الذي يؤدي إلى فساد الاجتماع. ومن هنا يأتي الانتقال من بيان العدل بوصفه نظامًا للعمران إلى بيان علاقته بالحقوق والولايات.
إذا كان العدل هو النظام الذي تنتظم به أحوال الناس، فإن حقيقته لا تظهر إلا من خلال أثره في حفظ الحقوق ومنع التعدي. فالعدل ليس مجرد معنى ذهني يمدح من جهة التصور، وإنما هو مبدأ عملي تظهر آثاره في طريقة ترتيب العلاقات، وضبط المصالح، وإقامة الموازين بين الناس.
ومن هنا فإن شيخ الإسلام لا يفصل بين العدل وبين الحقوق، لأن الحق إذا ثبت لصاحبه كان العدل هو وضعه في موضعه، والظلم هو إخراجه عن موضعه. ولهذا كانت حقيقة الظلم عنده راجعة إلى مجاوزة الحد الذي ينبغي أن تقف عنده الأفعال، سواء كان ذلك في حكم أو معاملة أو ولاية أو غير ذلك.
وعلى هذا الأساس لا يكون الحاكم عادلًا بمجرد قصده الخير، ولا بمجرد قوة سلطانه، وإنما يكون عادلًا إذا وافق فعله مقتضى الحق، لأن العدل متعلق بحقيقة الأمر لا بمجرد النية. فالنية الصالحة لا تكفي إذا ترتب عليها وضع الحقوق في غير مواضعها، كما أن حسن المقصد لا يصحح الوسيلة الفاسدة.
وهذا الأصل يفسر عناية شيخ الإسلام بمسألة الولايات. فإن الولاية عنده ليست تشريفًا محضًا، ولا امتيازًا لصاحبها، وإنما هي أمانة مقصودها تحقيق مصالح الناس. ولهذا قرر في السياسة الشرعية أن المقصود من الولايات هو إصلاح أمر الرعية، وأن تولية الأصلح من أعظم ما يقوم به نظام الناس.
فالدولة في التصور التيمي لا تقاس بمجرد وجود منصب أو جهاز، وإنما تقاس بمدى قيامها بالوظيفة التي من أجلها وجدت. فإذا كانت الولاية وسيلة لإقامة الحقوق وحفظ المصالح كانت محققة لمقصودها، وإذا تحولت إلى طريق للاستئثار والاعتداء فقد انحرفت عن الغاية التي تبرر وجودها.
ومن هنا يظهر أن العدل ليس عنصرًا خارجيًا يضاف إلى السياسة بعد قيامها، بل هو المعيار الذي يحدد صحة السياسة نفسها. فالسياسة التي لا تقوم على العدل تفقد معناها، لأن السياسة في أصلها تدبير لأمر الناس، وتدبير أمر الناس لا يكون صحيحًا إلا إذا راعى الحقوق والمصالح التي يقوم عليها اجتماعهم.
وهذا يوضح جانبًا مهمًا من عبقرية ابن تيمية في هذا الباب، وهو أنه لم يعالج مسألة الدولة من جهة الشكل فقط، بل من جهة الوظيفة والمعنى. فلم يكن السؤال عنده: من يملك السلطة؟ فقط، بل: ما الغاية التي ينبغي أن تحققها السلطة؟ وبأي معيار تعرف صلاحها أو فسادها؟
والجواب عنده أن المعيار هو العدل، لأنه الأصل الذي تنتظم به علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الإنسان بغيره، وعلاقة القوة بالحق. فإذا انفصلت القوة عن العدل لم تعد أداة لحفظ النظام، بل أصبحت سببًا في تقويضه، لأن القوة حينئذ تعمل خارج الغاية التي تبرر استعمالها.
ومن هنا يتضح أن البناء السياسي عند شيخ الإسلام ليس قائمًا على تمجيد السلطة، وإنما على تقييدها بالمقصد الذي وجدت من أجله. فالسلطة خادمة للنظام العادل، وليست منشئة له، والدولة حارسة للحقوق، وليست مصدرًا لها، والعدل هو الأصل الذي يمنح كل هذه المعاني معناها الصحيح.
وبهذا يكتمل جانب آخر من النظرية: فالإنسان لا يستغني عن الاجتماع، والاجتماع لا يستقيم إلا بالعدل، والعدل لا يحفظ في الواقع العام إلا بوجود ولاية تقوم به. ومن هنا كان الحديث عن الدولة عند ابن تيمية امتدادًا طبيعيًا للحديث عن الإنسان والاجتماع، لا بابًا منفصلًا عنهما.
بعد أن تبين أن العدل هو الأصل الذي تنتظم به الحقوق والمصالح، يظهر وجه الحاجة إلى الدولة في البناء الذي أقامه شيخ الإسلام. فالدولة عنده لم تنشأ لأن الإنسان يميل إلى الخضوع لغيره من حيث الأصل، ولا لأن السلطة غاية مطلوبة لذاتها، وإنما نشأت لأن الاجتماع إذا اتسع وتداخلت فيه المصالح احتاج إلى جهة تحفظ نظامه وتمنع أسباب الفساد فيه.
وهذا المعنى قرره شيخ الإسلام في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله:
«يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس...»
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.
ويظهر من هذا التقرير أن شيخ الإسلام يبني الحاجة إلى الولاية على أصل سابق، وهو الاجتماع. فلم يجعل الاجتماع محتاجًا إلى الدولة من جهة أن الدولة هي التي أنشأته، وإنما جعل الدولة محتاجة إلى الاجتماع من جهة أن وجودها تابع للحاجة إلى تنظيمه. فالعلاقة بينهما ليست علاقة إيجاد، وإنما علاقة حفظ ورعاية.
وهذا التفريق من الدقائق المهمة في النظر السياسي، لأن كثيرًا من التصورات تجعل السلطة أصلًا سابقًا على المجتمع، ثم تفسر وجود الاجتماع بأنه نتيجة لإرادة السلطة أو تنظيمها. أما شيخ الإسلام فيسلك طريقًا آخر، إذ يجعل المجتمع سابقًا من جهة الحقيقة، ثم يجعل السلطة مرتبة لاحقة اقتضتها طبيعة هذا الاجتماع.
ومن هنا نفهم قوله: «ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس». فلفظ الوجوب هنا ليس وجوبًا ناشئًا عن مجرد الرغبة في التحكم، وإنما ناشئ عن طبيعة الاجتماع نفسه. فإذا اجتمع الناس، وتعددت إراداتهم، وتداخلت مصالحهم، ظهر الاحتياج إلى جهة تفصل عند التنازع، وتقيم ما لا يستقيم إلا بالقوة الملزمة.
فالسلطة إذن ليست نقيض الحرية الاجتماعية، بل هي من لوازم حفظ النظام الذي تقوم عليه مصالح الناس. والفرق بين السلطة العادلة والسلطة الظالمة ليس في وجود الإلزام من حيث هو إلزام، وإنما في الغاية التي يستخدم فيها هذا الإلزام. فإن كان موجها لحفظ الحقوق وإقامة المصالح كان من مقتضيات الاجتماع، وإن كان موجها لهدم الحقوق وتحقيق الأهواء كان سببًا في فساد الاجتماع.
ولهذا لم يجعل شيخ الإسلام مجرد وجود السلطان دليلًا على صلاح النظام، بل ربط الصلاح بالغاية التي يقوم بها السلطان. فالولاية لا تستمد قيمتها من ذاتها، وإنما من قيامها بالعدل الذي هو أصل العمران. وهذا ينسجم تمامًا مع القاعدة التي قررها في موضع آخر: «العدل نظام كل شيء»، لأن الدولة نفسها داخلة في عموم هذا النظام، فلا تستقيم إلا بما يستقيم به سائر الاجتماع.
وعلى هذا يتبين أن النظرية السياسية عند ابن تيمية لا تبدأ من سؤال السلطة: كيف نوجد الحاكم؟ وإنما تبدأ من سؤال الاجتماع: كيف نحفظ المصالح المشتركة؟ ثم تأتي السلطة باعتبارها جوابًا عن هذه الحاجة. ولهذا فإن الدولة عنده ليست نقطة البداية، بل هي مرحلة متقدمة في بناء يبدأ من الإنسان وينتهي إلى تنظيم المجتمع.
وهنا تظهر وحدة مشروعه بوضوح. فما قرره في الحديث عن الإنسان ليس منفصلًا عما قرره في الحديث عن الدولة، لأن الحاجة إلى الدولة لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة مباشرة للحاجة إلى حفظ الاجتماع. وما دام الاجتماع قائمًا على المصالح المشتركة، فإن الدولة الصالحة هي التي تقوم بحماية هذه المصالح وفق ميزان العدل.
وبذلك ينتقل البناء من بيان ضرورة وجود الدولة إلى بيان معيار صلاحها، وهو السؤال الذي يكمل النظرية: إذا كانت الدولة ضرورة لحفظ الاجتماع، فما الذي يجعلها دولة عادلة؟ وما الأصول التي يجب أن تحكم تصرفاتها حتى تحقق الغاية التي وجدت من أجلها؟
إذا كانت الدولة عند شيخ الإسلام ضرورة ناشئة عن الاجتماع، فإن هذه الضرورة لا تعني أن كل صورة من صور السلطة تحقق المقصود منها. فوجود القوة المنظمة لا يكفي للحكم بصلاح النظام، لأن الاعتبار ليس بمجرد وجود الأداة، وإنما بالوظيفة التي تؤديها هذه الأداة. ومن هنا كان العدل هو المعيار الذي يكشف عن صلاح السلطة أو فسادها.
فالدولة إنما وجدت لحفظ ما لا يستقيم الاجتماع إلا به، وأول ذلك حفظ الحقوق، ومنع التعدي، وإقامة المصالح التي يشترك الناس في الحاجة إليها. فإذا قامت بهذا المقصود كانت محققة للمعنى الذي من أجله وجدت، وإذا انحرفت عنه بقيت صورة السلطة موجودة، لكن حقيقتها التي تبرر وجودها تكون قد اختلت.
وهذا يكشف عن أصل مهم في منهج شيخ الإسلام، وهو التفريق بين الوجود والصلاح. فقد توجد السلطة من حيث الواقع، لكن وجودها لا يدل بذاته على أنها قائمة بمقتضى العدل. كما أن القوة قد تكون حاضرة، لكن حضورها لا يثبت أنها أدت وظيفتها الصحيحة. فالاعتبار عنده ليس بمجرد حصول الشيء، وإنما بتحقق الغاية التي يتعلق بها معناه.
ولهذا كان حديثه عن الولاية مرتبطًا دائمًا بمقاصدها. فالولاية ليست تشريفًا لصاحبها، وإنما تكليف بتحقيق ما يصلح به أمر الناس. والحاكم ليس مالكًا لمصالح الرعية، وإنما قائم عليها بالحفظ والرعاية. ومن هنا كان العدل قيدًا لازمًا للسلطة، لأن السلطة إذا انفصلت عن العدل فقدت المعنى الذي يجعلها ضرورة اجتماعية.
ويظهر هذا المعنى في تقريره المشهور أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. فإن المقصود من هذا التقرير بيان أن الاجتماع له سننًا لا تتخلف، وأن الظلم يناقض القانون الذي يقوم عليه العمران. فالعدل ليس مجرد وصف ديني أو أخلاقي، بل هو أيضًا مقتضى من مقتضيات انتظام الحياة البشرية.
وهذا لا يعني عند شيخ الإسلام أن العدل يغني عن الدين، أو أن صلاح الدنيا منفصل عن صلاح الآخرة، بل يعني أن لكل مقام حكمه. فكما أن للإنسان قوانين تحفظ بدنه، فإن للاجتماع قوانين تحفظ نظامه. والعدل من أعظم هذه القوانين، لأن الاجتماع لا يمكن أن يستقر مع إهدار الحقوق واضطراب الموازين.
ومن هنا يظهر أن عبقرية ابن تيمية في هذا الباب ليست في مجرد تقرير أهمية العدل، فهذا معنى تشترك فيه عقول كثيرة، وإنما في طريقة تأسيسه له. فقد لم يجعل العدل مجرد أمر مطلوب من الحاكم، بل جعله أصلًا حاكمًا على الحاكم والمحكوم معًا. فالجميع داخلون تحت مقتضى العدل، لأنه ليس امتيازًا لفئة، بل هو النظام الذي يحفظ وجود الاجتماع نفسه.
وعلى هذا الأساس تتحدد العلاقة بين الدولة والعدل: فالدولة ليست مصدر العدل، وإنما هي أداة لإقامته، والعدل ليس نتيجة اختيار السلطة، وإنما هو القيد الذي يوجه اختيارها. فإذا كانت السلطة خادمة للعدل استقامت، وإذا جعلت العدل تابعًا لأهوائها اضطربت، لأن التابع لا يكون حاكمًا على ما ينبغي أن يحكمه.
بعد أن تبين أن الاجتماع الإنساني عند شيخ الإسلام ليس أمرًا اتفاقيًا، وأن الدولة ليست أصل الاجتماع وإنما وسيلة لحفظه، يظهر أن النظر في مشروعه لا يكتمل عند حدود السياسة بمعناها الضيق، بل لا بد من الانتقال إلى مفهوم أوسع، وهو العمران. فالدولة عنده ليست كيانًا منفصلًا عن حركة المجتمع، وإنما هي جزء من نظام أوسع تتداخل فيه المصالح، والحقوق، والواجبات، والسنن التي تحكم قيام الأمم وسقوطها.
ومن هنا تظهر خصوصية منهجه، فإنه لا يعالج قضايا الاجتماع من زاوية السلطة فقط، ولا ينظر إلى السياسة باعتبارها صراعًا على الحكم، وإنما ينظر إليها باعتبارها تدبيرًا للمصالح التي لا يستغني عنها الناس. ولهذا كان الحديث عن العمران نتيجة طبيعية للحديث عن الاجتماع، لأن الاجتماع إذا استقر على أصوله أنتج حركة إنسانية تتجاوز مجرد الاجتماع الأولي إلى بناء الحضارة وتنظيم شؤون الحياة.
ويكشف هذا عن أصل مهم في نظر شيخ الإسلام، وهو أن صلاح الظاهر مرتبط بصلاح الأصول التي يقوم عليها. فالعمران لا يستقيم بكثرة العدد، ولا باتساع الملك، ولا بتراكم أسباب القوة وحدها، وإنما يستقيم بقيام المبادئ التي تحفظ العلاقات بين الناس. وأول هذه المبادئ العدل، لأنه المبدأ الذي يمنع اختلال التوازن بين الحقوق والواجبات.
ولهذا فإن العدل عند ابن تيمية ليس متعلقًا بجانب واحد من جوانب الحياة، بل هو قاعدة عامة تدخل في كل نظام يقوم على علاقة بين طرفين أو أكثر. فالأسرة، والسوق، والقضاء، والولاية، وسائر صور الاجتماع، لا تستقيم إلا إذا وضعت الحقوق في مواضعها. وإذا اختل هذا الأصل انتقل الفساد من الجزئيات إلى البناء العام.
ومن هنا نفهم لماذا جعل شيخ الإسلام الظلم سببًا في خراب العمران. فالظلم ليس مجرد اعتداء فردي، بل هو نقض للنظام الذي يحفظ الاجتماع. وإذا شاع الظلم، لم تعد العلاقات قائمة على الثقة والتعاون، بل تتحول إلى علاقات يغلب عليها الاحتراز والتغالب، فيضعف بذلك المقصود الذي من أجله اجتمع الناس.
وهذا يبين أن ابن تيمية كان ينظر إلى التاريخ والاجتماع من خلال سنن كلية. فالأمم لا تقوم بمجرد امتلاكها أسباب القوة، ولا تسقط بمجرد فقدان بعض مظاهر القوة، وإنما تتعلق أحوالها بالقوانين التي تنتظم بها حياتها الداخلية. ومن أعظم هذه القوانين قيام العدل، لأن العدل يحفظ أسباب الاجتماع، والظلم يهدمها.
ومن هنا تتجلى عبقرية البناء التيمي: فهو يجمع بين النظر في الإنسان والنظر في المجتمع والنظر في الدولة ضمن نسق واحد. فالإنسان عنده ليس فردًا منعزلًا، والمجتمع ليس تجمعًا عشوائيًا، والدولة ليست سلطة مجردة، بل كلها مراتب متداخلة في بناء واحد، يحكمه سؤال مركزي: كيف تتحقق المصالح التي لا يتم وجود الإنسان إلا بها؟
وهذا السؤال هو الذي يفسر انتقاله من الحديث عن الفطرة إلى الحديث عن الاجتماع، ومن الاجتماع إلى التعاقد، ومن التعاقد إلى العدل، ومن العدل إلى الدولة. فهذه ليست موضوعات متفرقة في كتبه، وإنما هي حلقات مترابطة في نظرية واحدة، إذا جمعت أجزاؤها ظهر البناء الكلي الذي كان مبثوثًا في مواضع متعددة من تراثه.
ولهذا فإن إعادة قراءة ابن تيمية في هذا الباب لا ينبغي أن تكون مجرد استحضار لأقواله، بل ينبغي أن تكون محاولة لفهم منطقه الداخلي. فالقيمة العلمية ليست في كثرة النقول وحدها، وإنما في الكشف عن العلاقات التي تربط بينها، وعن الأصول التي تولدت عنها النتائج.
وهنا يظهر وجه من وجوه عبقريته: أنه لم يكن يكتب في المسائل الجزئية بمعزل عن الكليات، بل كان ينظر إلى الجزئي باعتباره فرعًا عن أصل، وإلى الحادثة باعتبارها مظهرًا لقاعدة، وإلى الحكم باعتباره ثمرة لتصور صحيح عن الإنسان والوجود والمصلحة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقع نظرية الاجتماع السياسي عنده، فهي ليست فصلًا منفصلًا عن بقية علومه، وإنما هي امتداد لطريقته العامة في النظر، القائمة على رد الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات، والنتائج إلى مقدماتها.
وإذا كان من الممكن تلخيص جانب من تميز ابن تيمية في هذا الباب، فإن ذلك لا يكون بالنظر إلى النتائج التي قررها فقط، بل بالنظر إلى الطريقة التي أوصلته إليها. فإن كثيرًا من المعاني التي قررها قد يشاركه فيها غيره من حيث الجملة، لكن خصوصية مشروعه تظهر في إحكام البناء الذي تنتظم فيه هذه المعاني، وفي رد كل قضية إلى أصلها الذي يفسرها.
فهو لا يتعامل مع الاجتماع باعتباره أمرًا مستقلًا عن طبيعة الإنسان، ولا يتعامل مع الدولة باعتبارها حقيقة منفصلة عن الاجتماع، ولا يتعامل مع العدل باعتباره فضيلة قائمة خارج نظام الحقوق. وإنما يرد كل مرتبة إلى ما قبلها، حتى تصبح النظرية وحدة مترابطة. فالإنسان بما فيه من افتقار يوجب الاجتماع، والاجتماع بما فيه من اشتراك يوجب الحقوق، والحقوق بما فيها من تزاحم تحتاج إلى العدل، والعدل في المجال العام يحتاج إلى سلطة تقيمه وتحرسه.
وهذا المسلك يدل على حضور النظر الكلي في معالجة شيخ الإسلام. فهو لا يقف عند ظاهر الوقائع، بل يبحث عن القاعدة التي تنتظمها. ولذلك فإن حديثه عن السياسة ليس حديثًا عن إجراءات الحكم فقط، وإنما حديث عن الشروط التي تجعل الحكم محققًا للغرض الذي وجد من أجله.
ومن هنا يظهر الفرق بين النظر إلى الدولة باعتبارها قوة، والنظر إليها باعتبارها وظيفة. فالقوة قد توجد دون أن يتحقق بها المقصود، أما الوظيفة فمناطها الغاية التي من أجلها وجدت. وشيخ الإسلام حين يقرر ضرورة الولاية لا يقررها تعظيمًا لمجرد السلطة، بل لأنها تقوم بمهمة لا يتم الاجتماع بدونها، وهي حفظ النظام العام وإقامة العدل.
ولهذا كان العدل هو المحور الذي تدور عليه النظرية كلها. فهو ليس مرحلة أخيرة تأتي بعد قيام الدولة، بل هو حاضر في جميع مراحل البناء. فالاجتماع الأول لا يستقر إلا به، والتعاقد لا يصح إلا به، والولاية لا تقوم بوظيفتها إلا به. ومن هنا كان وصفه بأنه «نظام كل شيء» جامعًا لمعنى يتجاوز المجال السياسي إلى أصل العمران كله.
ومن أدق ما يظهر في هذا البناء أن ابن تيمية لا يفصل بين الجانب المعياري والجانب الواقعي. فهو لا يتحدث عن العدل باعتباره قيمة مثالية منفصلة عن حركة التاريخ، ولا يتحدث عن الاجتماع باعتباره واقعًا خاليًا من القيم. بل يجمع بين الأمرين، فيبين أن القيم التي تحفظ العمران ليست أوامر مجردة، وإنما هي أيضًا سنن واقعية لا يستقيم الاجتماع بدونها.
ولهذا فإن الدولة العادلة عنده ليست مجرد دولة تطبق أحكامًا معينة، بل هي دولة توافق السنن التي جعلها الله في الاجتماع الإنساني. فإذا قامت على العدل حفظت أسباب بقائها، وإذا قامت على الظلم حملت في داخلها عوامل ضعفها، لأن الظلم في حقيقته إفساد للأصل الذي يقوم عليه الاجتماع.
ومن هنا نفهم أن مشروع ابن تيمية في الاجتماع السياسي لا يقوم على سؤال: كيف تستمر السلطة؟ وإنما على سؤال أعمق: كيف يستقيم أمر الناس؟ والفرق بين السؤالين كبير، لأن الأول ينظر إلى بقاء القوة، أما الثاني فينظر إلى بقاء النظام الذي تتحقق به مصالح البشر.
وهذه النقلة هي التي تمنح مشروعه بعده الفلسفي، لأنه لا يقدم مجرد نظرية في الحكم، بل يقدم تصورًا عامًا للعلاقة بين الإنسان والمجتمع والسلطة والعدل. فهو يبدأ من حقيقة الإنسان، وينتهي إلى نظام العمران، وبين البداية والنهاية سلسلة من اللوازم العقلية التي تكشف عن وحدة المشروع.
وبذلك يظهر أن عبقرية ابن تيمية في هذا الباب ليست في أنه تحدث عن العدل أو الدولة فحسب، وإنما في أنه أعاد ترتيب العلاقة بين هذه المفاهيم، فجعلها داخل بناء واحد، بحيث لا يمكن فهم أحدها على وجهه الصحيح إلا بفهم موقعه من الكل.
بعد هذا المسار يظهر أن حديث شيخ الإسلام ابن تيمية عن الاجتماع والسياسة لا يمكن فهمه باعتباره مجموعة من الآراء المتفرقة، بل هو بناء متكامل تحكمه أصول مترابطة. فقد بدأ من الإنسان باعتباره كائنًا لا يستغني عن غيره، ثم انتقل من هذا الأصل إلى ضرورة الاجتماع، ثم من الاجتماع إلى التزامات التعاون، ثم من هذه الالتزامات إلى ضرورة العدل، ثم إلى الحاجة إلى سلطة تحفظ هذا النظام وتقيمه.
وهذا الترتيب يكشف أن الدولة عنده ليست نقطة البداية، وإنما هي نتيجة لمسار سابق. فالسلطة لا تخلق المجتمع، وإنما تخدم النظام الذي يقتضيه وجود المجتمع. والعدل لا يأتي بعد الدولة، وإنما هو الأصل الذي يمنح الدولة معناها ووظيفتها. فإذا فقدت الدولة العدل، لم تفقد وصفًا من أوصاف الكمال فقط، بل فقدت المقوم الذي يبرر وجودها.
ومن هنا تتبين قوة القاعدة التي قررها شيخ الإسلام: «العدل نظام كل شيء». فهي ليست عبارة أخلاقية مجردة، ولا حكمًا سياسيًا عابرًا، وإنما هي خلاصة نظر في طبيعة العمران الإنساني. فالعدل هو الذي يحفظ الحقوق، والحقوق هي التي تحفظ التعاون، والتعاون هو الذي يحفظ الاجتماع، والاجتماع هو الذي تقوم عليه سائر صور العمران.
ولهذا فإن قراءة ابن تيمية في هذا الباب تحتاج إلى تجاوز القراءة الجزئية التي تقتصر على استخراج الأحكام، إلى قراءة بنائية تبحث عن الأصول التي تنتظم تلك الأحكام. فعبقريته لا تظهر فقط في كثرة ما كتب، وإنما في قدرته على رد المسائل المتفرقة إلى قواعد كلية، وعلى بناء النتائج من مقدمات مترابطة.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من موسوعية شيخ الإسلام. فلم تكن علومه أبوابًا منفصلة لا رابط بينها، بل كان يحكمها منهج واحد يقوم على تحرير المفاهيم، ورد الفروع إلى الأصول، والنظر في العلل والمقاصد التي تنتظم بها الأحكام. ولذلك امتد أثر طريقته من العقيدة والفقه إلى الاجتماع والسياسة والعمران.
إن إعادة اكتشاف هذا الجانب من تراث ابن تيمية لا تعني إضافة مجال جديد إلى شخصيته العلمية فحسب، بل تكشف عن وحدة أعمق في مشروعه كله. فالرجل الذي بحث في إصلاح الاعتقاد، وبناء الأحكام، وتقويم السلوك، كان ينطلق من أصل جامع: أن الحق إذا استقام في موضعه، والعدل إذا قام في مجاله، استقام بذلك أمر الإنسان في دنياه وأخراه.
وهذه هي إحدى وجوه عبقرية ابن تيمية: أنه لم ينظر إلى الإنسان والدولة والمجتمع بوصفها موضوعات منفصلة، بل رآها حلقات في نظام واحد، يبدأ بحقيقة الإنسان وينتهي بصلاح العمران.


