فنقول: الموجود من حيث التقسيم العقلي ينقسم إلى واجب وممكن، والواجب بذاته هو الذي يمتنع عليه العدم من جميع الجهات، وهو وحده المتصف بالكمال المطلق من كل وجه. وأما الممكن فهو ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه، بل يتوقف وجوده على غيره، فهو من حيث ذاته متساوي النسبة إلى الطرفين، ولا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بمرجّح.
فإذا ثبت أن العالم بأسره ممكن الوجود، لزم بالضرورة أنه لا يكون واجب الكمال، لأن من لوازم الإمكان الافتقار الذاتي وقبول النقص، إذ ما كان محتاجًا في وجوده لا يكون مستغنيًا في صفاته، وما لا استغناء له لا يكون كماله مطلقًا من جميع الجهات.
وعلى هذا الأصل، فإن ما يُسمّى شرًا في العالم لا يخرج عن أحد أمرين: إما عدم محض، وإما أمر وجودي إضافي راجع إلى ذلك العدم.
أما الأول، وهو العدم المحض، كعدم العلم أو القدرة أو الصحة، فليس وجودًا حتى يُسند إلى فاعل على جهة الإيجاد، لأن الفاعلية إنما تتعلق بالموجود من حيث هو موجود، لا بالمعدوم من حيث هو معدوم، فإسناد العدم إلى الفاعل على جهة الإيجاد ممتنع من حيث التصور العقلي.
وأما الثاني، وهو الوجودي الإضافي، كالآلام والأمراض وسائر ما يلحق الأجسام من أذى، فإنه وإن كان وجودًا في نفسه، إلا أنه لازم عن أوضاع وجودية سابقة، فهو تابع لغيره لا مستقل بنفسه، فهو شر بالاعتبار لا بالذات، لأن كونه مؤلمًا لا ينافي كونه داخلًا في نظام سببي أعمّ.
ومن ثم فإن الحكم بكون شيء شرًا حكم إضافي نسبي، لا حكم حقيقي مطلق، إذ الشيء الواحد قد يكون خيرًا من جهة وشرًا من جهة أخرى، بحسب اختلاف الإضافة والاعتبار، لا بحسب ذاته المفردة.
فإذا قيل: لم لم يكن العالم خاليًا من هذه اللوازم؟ كان الجواب أن هذا الفرض يستلزم أحد أمرين كلاهما محال: إما رفع خاصية الإمكان، وإما تحويل الممكن إلى واجب الوجود. فإن قيل برفع لوازم الإمكان مع بقاء الإمكان، كان جمعًا بين النقيضين إذ معنى الإمكان قبول الضدين وافتقار الوجود إلى المرجح، فإذا انتفت لوازمه انتقض معناه.
ثم إن النظام الكلي للعالم مبني على ترتب الأسباب على مسبباتها، وترابط الموجودات على وجه لا ينفك، فرفع هذه اللوازم يستلزم نقض هذا النظام، ونقض النظام رفع للحكمة التي بها صار العالم عالمًا، لا تحسين له ولا إكمال.
إن الشر في هذا العالم ليس وجودًا قائمًا بنفسه في مقابل الخير، بل هو إما عدم كمال، أو لازم لوجود كمالات أخرى، فهو داخل تحت عموم الحكمة لا خارج عنها، ووجوده تابع للكلّ لا مستقل عنه، والحكم عليه بالشر إنما هو بحسب الإضافة الجزئية لا بحسب الحقيقة الكلية.
فالإشكال مبني على تصور وجود شرّ مطلق مستقل، مع أن التحقيق أن الموجودات كلها دائرة بين خير راجح، أو خير مشوب بلوازم عدمية، أو عدم محض لا يتصف بوجود حتى يعارض الخير.


