يتّسم المنهج التيميّ في تحليل العقائد المخالفة لعقيدة السلف بنظريتين محكمتين في المعرفة:
الأولى: نظرية لغوية، تبحث في العلاقة بين الألفاظ ومدلولاتها.
الثانية: نظرية عقلية، تبحث في العلاقة بين الذهن والواقع الخارجي.
فعند اعتراض المخالف مستندًا إلى لفظ أو دليل في موضوع ما، يأتي الرد التيمي عادة ليضع السؤال الأول:
ما مرادك بذلك اللفظ؟
وكان تفصيل المعنى ديدن السلف رضوان الله عليهم، لأن الألفاظ المجملة مشتملة على حق وباطل، فلا نردها مطلقًا ولا نثبتها مطلقًا، لأن في ردها ردًا لحق، وفي إثباتها إثباتًا لباطل، فلا بد من التفصيل في المعنى؛ فما لزم من معناه حق أثبتناه، وما لزم باطلًا رددناه.
وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة الاستعمال اللغوي قبل الفيلسوف الذي يرجع علم الاستعمال إليه فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein، حين قال في كتابه نقض المنطق:
"وأما جعل بعض الصفات داخلة في حقيقة الموصوف وبعضها خارجة فلا يعود إلى أمر حقيقي، وإنما يعود ذلك إلى جعل الداخل ما دل عليه اللفظ بالتضمن، والخارج اللازم ما دل عليه اللفظ باللزوم، فتعود الصفات الداخلة في الماهية إلى ما دخل في مراد المتكلم بلفظه، والخارجة اللازمة للماهية إلى ما يلزم مراده بلفظه، وهذا أمر يتبع مراد المتكلم فلا يعود إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر للوصف."
كما أفاض في مسألة استدلال المبتدعة بالمجاز في نفي الصفات، وخلاصته أن كثيرًا من موارد النزاع ترجع إلى فساد فهم دلالات الألفاظ قبل أن ترجع إلى فساد الأدلة.
ثم بعد الفصل في المعاني قطعًا لدابر التلبيس في مساحاتها المجملة، يأتي الدور لنظريته العقلية في مطابقة تلك المعاني للواقع وضوابط ذلك؛ لدرء الفوضى المعرفية.
فخلافًا لكثير من الخطابات المتأثرة بالفلسفة المثالية (Idealism)، يركز ابن تيمية على الفصل بين الوجود في عالم الأعيان والوجود في عالم الأذهان، وأن الأول أصل والثاني تابع له، فالقواعد العقلية الموضوعة ليست هي التي تنشئ الواقع، وإنما هي أدوات ذهنية تولدت من تفاعل الإنسان مع محيطه وإدراكه له.
وهذا يقود إلى اعتبار المعرفة المستفادة من الواقع والحس أساسًا في بناء الأحكام، ولا يقصي ذلك مفهوم الفطرة السليمة، فهي وفق نسقه تمثل منبعًا أصيلًا للمعرفة، بما تحمله من استعداد أولي للإدراك الصحيح.
وهذا أظهر في موافقة قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فليس عند ابن تيمية من أدوات المعرفة إلا أمران:
الاستعداد الفطري للمعرفة.
أدوات تلقي المعطيات الحسية.
ثم بهما يتكامل الفكر البشري، فينتزع سائر قواعد الفكر الكلية استنباطًا، والمفاهيم الكلية تجريدًا.
ومن هنا يقطع بنظريته اللغوية والعقلية أصول التأويل عند المبتدعة، فلا يجعل المفاهيم الذهنية ولا اللوازم المتوهمة حاكمة على ألفاظ الوحي، بل يجعل الوحي حاكمًا على التصورات الذهنية، ويطالب أولًا بتحرير المعنى، ثم بإثبات اللزوم الحقيقي في الخارج.
فكان أصل رد التيمية على استشكال المبتدعة باللوازم الفاسدة المزعومة حول عقيدة الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء، أن تلك اللوازم إنما هي لازمة في المخلوقات، لا أنها لازمة لمطلق المعنى الذي أثبته الوحي. فلم يفهم كثير منهم هذا الجواب، وتوهموه قولًا سطحيًا، مع أنه مبني على أصل معرفي عميق يفرق بين اللوازم الذهنية واللوازم الخارجية، ويمنع من جعل ما يتوهمه العقل في بعض الجزئيات قانونًا عامًا يحاكم به نصوص الوحي.
ثم إذا تحررت الألفاظ، وطابقت المعاني الواقع، بقي النظر في العلاقة بين القضايا نفسها، وهي علاقة اللزوم بين الملزوم ولازمه، وهي القاعدة التي ينبني عليها كثير من صحة الاستدلال أو فساده.
يتبع...في المقالة القادمة: نظرية اللزوم عند ابن تيمية، وصياغتها بالمنطق الرمزي، وتطبيقاتها في نقد الاستدلالات الكلامية وفلسفة العلم.


