الحيثية من المصطلحات الاصطلاحية التي شاع استعمالها في المنطق والحكمة، ولا سيما عند المتأخرين، ويقصد بها الجهة التي يلحظها العقل في الموضوع عند إسناد المحمول إليه أو انتزاعه منه. فهي ليست أمرًا خارجيًا مستقلًا، وإنما اعتبار ذهني يبين الجهة التي يصح باعتبارها الحمل، ويرفع الاشتباه عند تعدد جهات النظر إلى الشيء الواحد.
والأصل في صحة الحمل عند المناطقة هو اتحاد الموضوع والمحمول بالوجه المعتبر، أما الحيثية فوظيفتها بيان هذا الوجه وتحريره، ولذلك كان التعبير عنها بأنها جهة يبيَّن بها وجه صحة الحمل أدق من إطلاق القول بأنها هي مصحح الحمل.
واشتهر عند طائفة من الحكماء، ولا سيما المتأخرين، تقسيم الحيثيات إلى ثلاثة أقسام: الحيثية الإطلاقية، والحيثية التعليلية، والحيثية التقييدية.
الحيثية الإطلاقية هي ملاحظة الموضوع من حيث ذاته، من غير إدخال قيد خارج عن حقيقته في جهة الحمل، فيكون ثبوت المحمول ناشئًا عن ذات الموضوع أو عما يلزمها بحسب المبنى الذي يعتمد في تفسير اللوازم والخواص. ولذلك تندرج تحتها الذاتيات وما يلحقها من اللوازم الذاتية.
وقد فصّل بعض الحكماء هذا القسم بحسب مراتب التقرر والوجود، فقسموه إلى الإطلاقية في ظرف التقرر التقديري، والإطلاقية في ظرف التقرر الفعلي، والإطلاقية في ظرف الوجود التقديري، والإطلاقية في ظرف الوجود الفعلي. غير أن هذا التفصيل مبني على أصول فلسفية تتعلق بالماهية والوجود، وليس من المباحث التي اتفق عليها جميع المناطقة.
الحيثية التعليلية هي ملاحظة الموضوع بالنظر إلى ما به اتصف بالمحمول، سواء كان ذلك علة فاعلية، أو شرطًا، أو أمرًا منضمًا، أو إضافة، أو أمرًا عدميًا. فالمحمول ثابت للموضوع حقيقة، إلا أن جهة ثبوته تفسر بملاحظة سبب الاتصاف، لا بمجرد ملاحظة ذات الموضوع.
الحيثية التقييدية هي ملاحظة الموضوع بما هو مقيد بوصف أو جهة مخصوصة، بحيث يكون هذا القيد داخلًا في جهة الحمل، فلا يثبت المحمول إلا مع اعتبار ذلك الوصف، ويكون انتزاع المحمول تابعًا لاتصاف الموضوع به.
وبذلك يظهر أن الحيثية الإطلاقية تلاحظ الموضوع في ذاته، والحيثية التعليلية تلاحظ الموضوع مع سبب اتصافه، والحيثية التقييدية تلاحظ الموضوع بما هو مقيد بوصف مخصوص. وهذه الأقسام وإن اشتهرت في كتب الحكمة، فإن مقدار التفصيل فيها يختلف باختلاف المباني الفلسفية والمنطقية، ولذلك لم يلتزم جميع المناطقة بجميع هذه التقسيمات.
أما المتكلمون فاستعملوا مفهوم الحيثية بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة في تحرير المسائل الكلامية، دون أن يجعلوه أصلًا مستقلًا في صناعة المنطق. وكذلك انتقد ابن تيمية الإفراط في بناء النتائج على الاعتبارات الذهنية المجردة، مع إقراره بأن اختلاف الجهة يوجب اختلاف الحكم إذا كان ذلك راجعًا إلى أمر حقيقي معتبر، لا إلى مجرد اصطلاح ذهني لا يقابله ما في الخارج.
وخلاصة الأمر أن الحيثية ليست إلا اعتبارًا ذهنيًا يقصد به تعيين الجهة التي يصح بها الحمل أو الانتزاع، وأن البحث فيها إنما هو وسيلة لتحرير جهات الإسناد، لا لإثبات موجودات أو معانٍ زائدة على ما يقتضيه الواقع.


