الأول: عدم إدراك حقيقة نقده، حتى وقع كثير من الناس في خلاف لفظي، فظنوا أنه ينكر كل ما يسمى مجازًا، مع أن محل النزاع أخص من ذلك.
والثاني: الخلط بين ثلاثة سياقات مختلفة، لكل واحد منها نظرته الخاصة إلى المجاز؛ فالمناطقة يبحثونه ضمن مباحث الدلالة، والأصوليون ضمن مباحث الاستدلال، والبلاغيون ضمن فنون البيان، أما شيخ الإسلام فقد نظر إليه من زاوية عقدية ولسانية، من حيث مآلاته في فهم لغة الوحي واللغة العربية عمومًا، ومن حيث استدلال أهل البدع به في تأويل نصوص الصفات وإنكار دلالاتها.
ومن هنا فإن من الخطأ اختزال موقفه في عبارة: "ابن تيمية ينكر المجاز"، فإن هذا التعبير لا يصف حقيقة مذهبه، وإنما الأدق أن يقال: إنه أنكر التقسيم الاصطلاحي للغة إلى حقيقة ومجاز بالصورة التي قررها كثير من المتأخرين، وما ترتب عليها من آثار في فهم النصوص.
لقد قدّم ابن تيمية تصورًا أكثر دقة لدينامية اللغة، يقوم على أن المعاني لا تُعرف عن طريق افتراض وضع أول للألفاظ، وإنما تُعرف من خلال الاستعمال والسياق.
ويتضح الفرق بين النظريتين على النحو الآتي:
- نظرية المجاز: استعمال اللفظ في غير المعنى الذي وضع له أولًا.
- نظرية الاستعمال: فهم التركيب بحسب السياق الذي استعمل فيه.
وتختلف نظرية الاستعمال عن نظرية المجاز في ركيزتين أساسيتين:
الأولى: إقصاء مفهوم "الوضع الأول".
فنظرية المجاز مبنية على القول بأن لكل لفظ معنى أوليًا وضع له ابتداءً، ثم نُقل بعد ذلك إلى غيره، غير أن هذا الوضع الأول لا سبيل إلى إثباته تاريخيًا، ولا يمكن التحقق منه بطريق علمي، ولذلك كان محل اعتراض عند غير واحد من العلماء.
ومن أحسن من نبه إلى ذلك الإمام الإسفراييني رحمه الله حيث قال:
"حد المجاز عند مثبتيه أنه كل كلام تجوز به عن موضعه الأصلي إلى غير موضعه الأصلي، وهذا يستدعي منقولًا عنه متقدمًا ومنقولًا إليه متأخرًا، وليس في لغة العرب ذلك، بل كل زمان قدر أن العرب قد نطقت فيه بالحقيقة فقد نطقت فيه بالمجاز، فجعل هذا حقيقة وهذا مجاز ضرب من التحكم."
فإذا كان من المجازفة أن نزعم أن العرب وضعت لفظ "الأسد" أولًا للحيوان، ثم نقلته بعد ذلك إلى الرجل الشجاع، فإنه يمكننا الجزم بأن العرب استعملت هذا اللفظ في المعنيين جميعًا، لأن ذلك ثابت بالنقل عن كلامهم. أما دعوى معرفة أي الاستعمالين هو الأصل وأيهما الفرع، فهي دعوى تفتقر إلى دليل.
وينتج عن ذلك أن الاستعمالات تصبح متساوية من حيث الثبوت اللغوي، فلا يكون استعمال "الأسد" في الحيوان أولى من استعماله في الرجل الشجاع بمجرد دعوى الوضع الأول، وبذلك يسقط الأساس الذي يقوم عليه التقسيم الثنائي إلى حقيقة ومجاز.
أما الركيزة الثانية فهي أن اللغة في حقيقتها تراكيب لا ألفاظ مفردة.
فالدلالة ليست كامنة في الكلمة منفردة، وإنما تتحدد بعد دخولها في تركيب معين، وضمن سياق لغوي أو حالي معين، ولذلك فإن المعنى لا يستخرج من المفردة المجردة، وإنما من الجملة التي وردت فيها.
ولهذا فإن قولنا: "رأس الحيوان" وقولنا: "رأس الأمر" ليس أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، بل هما تعبيران مختلفان، لكل واحد منهما دلالته التي يحددها التركيب الذي ورد فيه.
ولهذا قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:
"اللفظ لا يستعمل قط مطلقًا، لا يكون إلا مقيدًا... فإن النبي ﷺ لما قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة)، فقد أضاف الرأس إلى الأمر، وهذا اللفظ لم يستعمل في رأس الحيوان..."
فمحل الدلالة إذن هو التركيب، لا المفردة المجردة.
وقد يرى بعض الباحثين تشابهًا بين هذا التصور وبين بعض ما قرره الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين في حديثه عن أن معنى الكلمة يتحدد بطريقة استعمالها داخل سياقها، إلا أن هذا التشابه لا يتجاوز بعض النتائج المتعلقة بالاستعمال والسياق، ولا يعني اتفاق المنطلقات الفلسفية بينهما، إذ إن ابن تيمية ينطلق من واقع اللغة العربية واستعمال أهلها، ومن فهم نصوص الوحي، بينما ينطلق فيتغنشتاين من مشروع فلسفي مغاير.
وخلاصة الأمر أن شيخ الإسلام لم يكن ينكر وجود التوسع في الاستعمال اللغوي، وإنما كان يعترض على بناء نظرية لغوية كاملة على فرضية "الوضع الأول"، ثم اتخاذها أداة لصرف نصوص الوحي عن ظواهرها. ولذلك دعا إلى فهم اللغة من خلال الاستعمال العربي والسياق والتركيب، لا من خلال تقسيمات اصطلاحية لا يقوم كثير منها على برهان تاريخي أو لغوي.
وهذا –في تقديري– هو جوهر نقد ابن تيمية لنظرية المجاز، وهو أيضًا السبب الذي جعل كثيرًا من الاعتراضات الموجهة إليه ناشئة عن سوء تصور محل النزاع، أو عن الخلط بين المقامات المختلفة التي يُبحث فيها موضوع المجاز.
هذا والله أعلم


