إن تفسير ديفيد هيوم للسببية بالعادة الذهنية باطل لذاته لأن الدليل الذي أقامه عليها لا ينعقد إلا بعد التسليم بما أنكره.
وبيان ذلك أن العادة الذهنية التي جعلها أصلا للحكم بالسببية حادثة بعد أن لم تكن وكل حادث فلا بد له من محدث يخصص وجوده دون عدمه.
فحدوث هذه العادة عند تكرر المشاهدة لا يخلو من أحد أقسام ثلاثة.
إما أن يكون التكرر الخارجي مقتضيا لحدوثها.
وإما أن يكون وجودها مقارنا للتكرر من غير اقتضاء ولا تأثير.
وإما أن تحدث من غير سبب أصلا.
فإن كان التكرر مقتضيا لحدوثها فقد ثبت أن أحد الحادثين أوجب حدوث الآخر وأن المؤثر أوجد الأثر وأن السبب اقتضى المسبب وذلك هو حقيقة السببية التي أنكرها فصار دليله مصادرة على نقيض مطلوبه.
وإن كان وجودها مجرد مقارن للتكرر من غير اقتضاء امتنع جعل التكرر تفسيرا لحدوثها لأن المقارنة المحضة لا توجب اختصاص أحد المتقارنين بالآخر ولا تفسر انتقال النفس من عدم العادة إلى وجودها فيبقى الحدوث بلا تفسير ويبطل أصل مذهبه.
وإن قيل إنها تحدث بلا سبب لزم وجود الحادث بلا محدث وترجح الممكن بلا مرجح واختصاص أحد طرفي الجائز بلا مخصص وهو رفع لأصل العقل وإبطال لجميع العلوم الضرورية والنظرية إذ لا يبقى بعد ذلك وجه لتخصيص شيء بشيء ولا حكم بعلة دون أخرى.
ثم يقال إن قوله إن تكرر المشاهدة يولد العادة يتضمن حكما ضروريا بأن التكرر منتج للعادة فإن صدق هذا الحكم فقد أثبت السببية وإن كذب لم يبق له دليل على تفسيره للعادة فبطل مذهبه على كلا التقديرين.
فثبت أن مذهبه دائر بين التناقض والدور والخلف.
أما التناقض فلأنه يثبت السببية في تفسير إنكارها.
وأما الدور فلأن نفي السببية متوقف على تفسير العادة وتفسير العادة متوقف على إثبات تأثير التكرر.
وأما الخلف فلأن نفي السببية يفضي إلى إبطال كل تعليل وإبطال كل استدلال وإبطال الدليل الذي أقام به مذهبه إذ الدليل لا يكون دليلا إلا إذا كان موجبا للعلم ومقتضيا له فإذا نفي الاقتضاء بطل كونه دليلا.
وعليه فإنكار السببية يوجب إبطال نفسه بنفسه وأن كل احتجاج على نفيها متضمن لإثباتها وأن ما استلزم نقيضه فهو باطل.



والله ماشاء الله منشوراتك خلتني احب التطبيق خصوصا اني من محبين ابن تيمية استمر والله والله يوفقك بمسيرتك