الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد،
فإن أكثر ما يثبت للإنسان من العلوم إنما يثبت من جهة الخبر، إذ لا سبيل له إلى مباشرة جميع الوقائع، ولا إلى مشاهدة كل ما يبني عليه علمه وعمله، فافتقر بالضرورة إلى قبول أخبار غيره. وإذا كان أكثر العلم راجعًا إلى الخبر، كان النظر في أصول قبوله ورده من أجل مباحث المعرفة، إذ بصحته تصح عامة العلوم الخبرية، وبفساده يفسد أكثر ما يعتقده الناس ويحتجون به.
وليس المقصود في هذه الرسالة تقرير اصطلاحات المحدثين، ولا شرح قواعدهم على الوجه المعروف في كتب المصطلح، وإنما المقصود تجريد الأصول العقلية التي ينبني عليها الحكم في هذا الباب، وبيان أن تلك القواعد ليست أحكامًا اصطلاحية محضة، بل هي نتائج لازمة لمقتضى العقل، بحيث ينتهي إليها كل من استوفى النظر في حقيقة الخبر وأسباب الخطأ فيه، وإن لم يعرف شيئًا من اصطلاحات أهل الحديث.
ولهذا كان مسلك هذه المقالة البدء بالأصول الكلية، ثم تنزيل الفروع عليها، حتى يظهر أن ما قرره أئمة هذا الشأن لم يكن إنشاءً لقواعد مبتدأة، وإنما كان استقراءً دقيقًا لموجبات القبول والرد، حتى بلغت صناعتهم في نقد الأخبار الغاية التي يقتضيها النظر الصحيح.
في حقيقة الخبر وأصل قبوله
الأخبار هي المادة التي تنتظم بها عامة المعارف الإنسانية، إذ ليس العلم منحصرًا فيما يدرك بالحس أو يستنبط بالنظر، بل أكثره منقول عن الغير. ومن ثم كان الخبر أحد الأصول التي يقوم عليها العلم والعمل، وكان الحكم عليه بالصحة أو البطلان أصلًا يتفرع عليه ما بعده.
والخبر في حقيقته إخبار عن واقع، ولا يخلو من أن يوافق المخبر عنه في نفس الأمر أو يخالفه. وهذا القدر كاف في المقصود، ولا حاجة إلى بسط القول في حقيقة المطابقة، ولا في مباحث الدلالات، لأن تلك مباحث خارجة عن محل النزاع.
والأصل في الخبر أن يكون مطابقًا لمخبره، لا لأن كل مخبر صادق، بل لأن انتظام أحوال البشر متوقف على غلبة الصدق في التخاطب. إذ لو كان الأصل في الأخبار الكذب، لتعذر إثبات شيء بخبر الغير، ولافتقر كل خبر إلى خبر آخر يثبته، ثم يفتقر ذلك الثاني إلى ثالث، فيلزم الدور أو التسلسل، وكلاهما باطل.
فثبت أن قبول الخبر هو الأصل عند انتفاء موجب الريبة، وأن العدول عن هذا الأصل لا يكون إلا لقيام ناقل معتبر. فليس الرد هو الأصل، كما أن القبول ليس حكمًا مطلقًا، وإنما لكل منهما مناط يدور معه وجودًا وعدمًا.
وإذا ثبت هذا، تبين أن البحث في نقد الأخبار ليس بحثًا في أصل القبول، وإنما هو بحث في الموانع التي تنقل الخبر عن مقتضى هذا الأصل، إذ الحكم إنما يتغير بقيام سببه أو وجود مانعه، فإذا ظهر المانع وجب اعتباره، وإذا انتفى بقي الخبر على أصله.
ومن هنا يبتدئ النظر في أسباب فساد الخبر، إذ لا ينتقل العقل عن أصل القبول إلا بعد معرفة الوصف المؤثر الذي أوجب ذلك الانتقال، وإلا كان الترجيح واقعًا بغير مرجح، وهو ممتنع عقلًا.
في أسباب فساد الخبر وتحقيق مناط قبول المخبر
لما كان الخبر لا يخرج عن كونه مطابقًا للواقع أو مخالفًا له، كان النظر بعد ذلك في سبب المخالفة، إذ الحكم على الشيء فرع عن معرفة علته، ولا يجوز نسبة الخطأ إلى الخبر من غير تحقيق لمناطه.
وإذا خالف الخبر الواقع، لم يخل ذلك من أحد أمرين. إما أن يكون المخبر قد تعمد مخالفة ما علمه، وإما أن يكون قد قصد الصدق فلم يوافق الواقع. فالأول كذب، والثاني وهم. وليس هذان وصفين اصطلاحيين، بل هما الجامع لكل ما يطرأ على الخبر من أسباب الفساد، وما عداهما فراجع إليهما أو داخل في أحدهما.
والكذب لا يقع إلا عن باعث يحمل النفس على مخالفة ما تعتقده، والوهم لا يقع إلا عن قصور في إدراك الخبر أو حفظه أو فهمه أو أدائه. فثبت أن منشأ فساد الخبر ليس الخبر نفسه، وإنما هو وصف قائم بالمخبر، إذ الخبر تابع لمخبره وجودًا وعدمًا، وصحة وفسادًا.
وإذا ثبت أن الكذب راجع إلى جهة الإرادة، وأن الوهم راجع إلى جهة الحفظ والإتقان، ظهر أن الوصفين اللذين يدور معهما قبول الأخبار هما العدالة والضبط. فالعدالة تمنع من تعمد الكذب، والضبط يمنع من غلبة الوهم، وما عدا ذلك من الأوصاف فإنما يعتبر بقدر تأثيره في أحد هذين الأصلين.
وليس المراد بالعدالة العصمة من الذنب، ولا المراد بالضبط انتفاء الخطأ بالكلية، فإن العصمة ليست شرطًا في قبول الأخبار، والخطأ لا ينفك عنه البشر. وإنما المعتبر غلبة السلامة، لأن الأحكام تبنى على ما يغلب، لا على الفروض النادرة التي لا ينضبط بها نظر ولا يستقيم بها عمل.
ومن ثم لم يكن المقصود من البحث في أحوال المخبرين تزكية أشخاصهم، وإنما المقصود تحقيق الأوصاف المؤثرة في قبول أخبارهم. فإن الشريعة والعقل إنما يعلقان الأحكام بالأوصاف الظاهرة التي يمكن الوقوف عليها، لا بما استأثر الله بعلمه من خفايا النفوس. فمن ثبتت عدالته ظاهرًا، وغلب على الظن ضبطه، ثبت مقتضي قبول خبره، حتى يقوم ما ينقله عن هذا الأصل.
وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن إثبات العدالة والضبط دعوى مجردة، بل لا بد له من طريق يوجب العلم أو غلبة الظن بهما، لأن الحكم إذا علق على وصف، لم يجز إثبات ذلك الوصف بغير دليل. ومن هنا كان النظر في طرق إحراز العدالة والضبط أصلًا مستقلًا، إذ به يتحقق مناط الحكم، وبه ينتقل النظر من القواعد الكلية إلى تنزيلها على آحاد المخبرين.
في طرق إحراز العدالة والضبط
لما كان قبول الخبر دائرًا مع العدالة والضبط، وكان هذان الوصفان لا يدركان بالحس ابتداء، افتقر إثباتهما إلى طريق يوجب العلم أو غلبة الظن، إذ الحكم لا يثبت قبل ثبوت مناطه، ولا يعلق الوصف المؤثر بمجرد الدعوى.
والأصل في ذلك أن الأوصاف الباطنة لا تعلم إلا بآثارها، لأن العلم بحقائق النفوس متعذر، وإنما يدرك منها ما يظهر على الجوارح، أو يطرد في التصرفات، أو يستفاد من تكرر الأحوال. فكان الاستقراء أصل هذا الباب، إذ به تعرف الملكات، وبه يتميز الراسخ من العارض، والغالب من النادر.
فالعدالة تعلم باستقامة الظاهر، واطراد الصدق، والسلامة من أسباب التهمة، مع النظر في القرائن التي قد تخرج بعض الأفراد عن هذا الأصل. فإن النفوس قد تعرض لها دواع تحملها على مخالفة مقتضى العدالة، فإذا قامت أمارة معتبرة على وجود تلك الدواعي، لم يجز إغفالها، لأن الحكم يدور مع وجود مقتضيه وانتفاء معارضه.
والضبط كذلك لا يعلم إلا بالاستقراء، لأنه وصف يثبت من كثرة الإصابة، وانتظام الأداء، وقلة الخطأ، لا من موافقة واحدة ولا من مخالفة واحدة. فكلما كثرت موارد الاختبار، واتسعت مادة النظر، أمكن الوقوف على مقدار ضبط المخبر، لأن الملكات لا تعرف إلا بآثارها المتكررة.
ولهذا لم يكن الخطأ العارض قادحًا في أصل الضبط، كما لم تكن الإصابة العارضة دليلًا على ثبوته، إذ المدار على الغالب المطرد، لا على الفرد النادر. فمن غلبت إصابته، وحفظت روايته، واستقام أداؤه، ثبت له وصف الضبط، وإن وقع منه ما لا يسلم منه البشر. ومن غلب عليه الوهم، وكثر اضطرابه، لم يثبت له هذا الوصف، وإن وافق الصواب في بعض أخباره.
ثم إن العدالة والضبط ليسا على مرتبة واحدة، بل هما وصفان يقبلان التفاوت، كما تتفاوت سائر الملكات الإنسانية. فقد يكون المخبر أرسخ عدالة من غيره، أو أقوى ضبطًا، وقد يجتمع له من الأمرين ما لا يجتمع لغيره. ومن ثم لم يكن الترجيح بين الأخبار مبنيًا على وجود الوصف وعدمه فقط، بل على مرتبته وقوته، لأن زيادة الوصف توجب زيادة أثره، كما أن نقصه يوجب ضعف مقتضاه.
وإذا ثبتت العدالة والضبط على الوجه المعتبر، تحقق مقتضي قبول الخبر من جهة المخبر، غير أن ذلك لا يكفي للحكم بصحة الخبر، لأن صدق المخبر وضبطه لا يستلزمان علمه بما أخبر به، بل لا بد بعد ذلك من النظر في جهة تلقيه الخبر، وهل ثبت اتصاله بمورده على وجه يرفع احتمال الانقطاع، أم لا. فكان البحث في الاتصال لازمًا لما قبله، ومتممًا لتحقيق مناط القبول.
في اتصال الخبر
إذا ثبتت عدالة المخبر وضبطه، لم يلزم من ذلك ثبوت الخبر، لأن الحكم بصحة الخبر لا يدور مع حال المخبر وحده، بل يدور أيضًا مع ثبوت طريق علمه بما أخبر به. فإن صدق الإنسان لا يستلزم علمه، كما أن ضبطه لا يستلزم مباشرته لما ينقله. فكان النظر في جهة التحمل لازمًا بعد النظر في أوصاف المخبر.
والأصل أن المخبر لا يخبر إلا عما علمه، فإن كان علمه مستندًا إلى مباشرة، ثبت اتصال الخبر من هذه الجهة، وإن كان مستندًا إلى خبر غيره، انتقل النظر إلى تلك الواسطة، لأن الحكم إذا تعلق بسبب مركب، لم يثبت إلا بثبوت جميع أجزائه.
وعلى هذا، فكل واسطة في طريق الخبر تقوم مقام من بعدها في الحكم، إذ لا فرق بين أول الطريق وآخره في تعلق مناط القبول به. فمن ثبتت عدالته وضبطه، نظر بعد ذلك فيمن تلقى عنه، ثم فيمن فوقه، حتى ينتهي الطريق إلى مورده. فإذا استكمل كل واحد منهم ما يعتبر في قبول الخبر، ثبت الاتصال، وإلا تخلف الحكم بتخلف بعض أسبابه.
وإذا جهلت الواسطة، لم يمكن الجزم بحكمها، لأن الحكم على المجهول حكم بغير علم. غير أن الجهالة ليست على مرتبة واحدة، بل تختلف باختلاف ما يحتف بها من القرائن. فإذا دل الاستقراء على أن الواسطة لا تخرج في الجملة عن أهل العدالة والضبط، أو قامت أمارة معتبرة تقتضي ذلك، قوي جانب القبول بقدر قوة تلك الأمارة، لأن الظن يتبع دليله قوة وضعفًا.
فالمقصود من الاتصال ليس العلم بأسماء الناقلين لذاته، وإنما المقصود إحراز سلامة طريق الخبر من دخول من يقدح في قبوله. فمتى حصل هذا المقصود بطريق معتبر، ثبت الحكم، ومتى تعذر، بقي الاحتمال مانعًا من تمامه.
وإذا استكمل الخبر عدالة ناقليه، وضبطهم، واتصال طريقه، ثبت مقتضي الحكم بصحته من جهة الظاهر. غير أن هذا المقتضي قد يعارضه ما يمنع من إعماله، لأن الخبر قد يستوفي هذه الأوصاف كلها، ثم يظهر بعد الاستقراء والموازنة أن الخطأ قد عرض له من وجه خفي لم يتبين بالنظر الأول. ومن هنا كان البحث في الشذوذ والعلة خاتمة النظر في الخبر، إذ بهما يتميز ما سلم من الخلل عما دخله ما يوجب القدح مع ظهور الصحة.
في معارضة الخبر ووجوه القدح الخفي
إذا استكمل الخبر عدالة ناقليه، وضبطهم، واتصال طريقه، ثبت مقتضي الحكم بقبوله، غير أن ثبوت المقتضي لا يستلزم ثبوت الحكم، إذ قد يعرض له مانع يمنع من إعماله، كما هو الشأن في سائر الأحكام. فلا يتم النظر في الخبر حتى يبحث عن المعارض بعد استكمال شروطه.
وذلك أن المخبر، وإن بلغ الغاية في العدالة والضبط، لا يخرج عن وصف البشرية، فيجوز عليه الخطأ في بعض الجزئيات، وإن امتنع أن يكون ذلك وصفًا غالبًا فيه. فكان مقتضى النظر ألا يقتصر على فحص حاله، بل يتعدى إلى فحص خبره بعد ثبوت أهليته.
وأول ما يعتبر في ذلك موافقة الخبر لما حفظ عن ذلك المخبر، ولما رواه من هو أولى منه بالحفظ والإتقان، لأن قوة الوصف توجب قوة مقتضاه، فإذا خالف من هو أرجح منه ضبطًا، أو خالف ما استقر عليه حفظه، كان ذلك أمارة على أن الخطأ قد عرض له في هذا الموضع، لا أن أصل عدالته أو ضبطه قد انتقض.
ثم ينظر في اضطراب الخبر واختلاف وجوه أدائه، فإن استقرت رواياته على وجه واحد، قوي جانب حفظه، وإن اضطربت اضطرابًا لا يمكن الجمع بين وجوهه، دل ذلك على أن الوهم قد دخل إليه، لأن اختلاف الأداء مع اتحاد مورد الخبر أمارة على اختلال الضبط في تلك الرواية.
وكذلك ينظر في كل ما يكشف عن خلل خفي في طريق الخبر أو في أدائه، سواء كان ناشئًا من وهم في التلقي، أو من خطأ في الأداء، أو من إدراج، أو تصحيف، أو قلب، أو نقل للمعنى أفضى إلى تغيير المراد. فإن هذه الوجوه لا تقدح في أصل عدالة الراوي، وإنما تقدح في صحة الخبر المعين، لأن الحكم إنما يتعلق بالرواية بعد استكمال النظر في جميع أسبابها.
ومن هنا كان الاستقراء الواسع، وجمع الطرق، والموازنة بين الروايات، من أعظم أصول هذا الباب، إذ لا تظهر العلل الخفية بالنظر إلى الطريق الواحد، وإنما تنكشف عند مقابلة الأخبار بعضها ببعض، فيتميز المحفوظ من غيره، ويعرف الثابت مما دخله الوهم.
فإذا سلم الخبر من هذه المعارضات الظاهرة والخفية، استقام مقتضي قبوله، واجتمعت فيه الأوصاف التي يدور معها الحكم. وهذا هو الذي اصطلح أهل هذا الشأن على تسميته بالخبر الصحيح، لا لأن الصحة وصف اعتباري مجرد، بل لأنها نتيجة لازمة لاجتماع أسباب القبول وانتفاء أسباب الرد.
فالصحة ليست أصلًا يبتدأ به، وإنما هي حكم ينتهي إليه النظر بعد استكمال جميع مراحله، ولهذا لم يكن تعريف الصحيح إنشاءً لشرط جديد، بل تلخيصًا لما تفرق من الأوصاف التي ثبت اعتبارها في الأبواب المتقدمة.
في الخبر الفرد وخبر الجماعة وأثر الكثرة في إفادة العلم
لما استكمل النظر في الخبر من جهة ناقله وطريقه، بقي النظر في جهة أخرى لا ترجع إلى أوصاف الأفراد، وإنما ترجع إلى اجتماعهم، فإن للكثرة أثرًا في الترجيح لا يثبت للواحد، كما أن لاجتماع الأدلة قوة لا تكون لكل دليل بانفراده.
والأصل في ذلك أن الخطأ والكذب لا يقعان إلا لعلة، ولا يترجحان من غير مرجح. فإذا انفرد المخبر، أمكن عقلاً أن يقوم به من أسباب الوهم أو دواعي الكذب ما يوجب التوقف في خبره عند وجود أماراته. أما إذا تعدد المخبرون، واستقل كل واحد منهم بجهة تحمله، وانتفت وجوه التأثير المشترك بينهم، ضعف احتمال اجتماعهم على سبب واحد يوجب الخطأ، كما ضعف احتمال اجتماعهم على داع واحد يوجب الكذب.
ولهذا لم يكن أثر الكثرة راجعًا إلى العدد من حيث هو عدد، بل إلى ما يستلزمه من تباين الأحوال، واختلاف الموارد، واستقلال أسباب العلم. فكلما اتسعت هذه الجهات، قوي الظن بمطابقة الخبر للواقع، لأن اجتماع الأسباب المستقلة على نتيجة واحدة أبعد من أن يكون اتفاقًا مجردًا.
غير أن الكثرة ليست علة تامة في نفسها، إذ قد يكثر الناقلون، ويكون مستندهم واحدًا، أو يكون منشأ خبرهم سببًا مشتركًا، فلا تزيد الكثرة حينئذ على تكرار الطريق الأول، ولا يرتفع بها موجب الوهم، لأن العبرة باستقلال موارد العلم، لا باستكثار ألفاظ النقل.
ولهذا كانت الأخبار المبنية على أصل واحد، أو الناشئة عن إشاعة واحدة، أو الصادرة عن جهة واحدة، لا تخرج عن حكم ذلك الأصل، وإن كثرت طرقها بعده، لأن الكثرة إنما تعتبر إذا تعددت أسباب الإدراك، لا إذا تكرر سبب واحد في صور متعددة.
فإذا استقل كل مخبر بجهة إدراكه، وانتفت أسباب التواطؤ، وقامت العادة على امتناع اجتماعهم على الكذب أو الوهم، بلغ الخبر من القوة ما يوجب العلم، لا لأن العقل يحكم باستحالته في نفسه، بل لأن احتمال خلافه قد انحط إلى مرتبة لا يلتفت إليها في مجرى العادات، والأحكام العقلية العملية إنما تبنى على ما جرت به العادة المستقرة.
ومن ثم لم يكن التواتر حدًا عدديًا محضًا، ولا وصفًا يضبط بعدد معين، وإنما هو وصف إضافي يدور مع حصول العلم، ويختلف باختلاف الوقائع، وقوة القرائن، وتعدد الموارد، واختلاف أحوال المخبرين. فقد يحصل في موضع بما لا يحصل في غيره، لأن المدار على تحقق مناطه، لا على صورة مجردة.
وعلى هذا يظهر أن الفرق بين الخبر الفرد وخبر الجماعة ليس في أصل الحجية، فإن خبر الواحد قد يكون حجة إذا استكمل شروطه، وإنما الفرق في قوة الدلالة. فخبر الفرد يبنى على تحقق أسباب القبول في ناقله وطريقه، وأما خبر الجماعة فينضم إلى ذلك أثر الكثرة التي يجبر بعضها بعضًا، حتى يبلغ الخبر مرتبة يمتنع معها في مجرى العادة أن يكون مخالفًا للواقع.
وهذا هو الأصل الذي انتهى إليه أهل العلم في باب التواتر، غير أن اصطلاحهم عليه فرع عن هذا المعنى، لا أصل له. فالمعتبر أولًا هو تحقق المناط، ثم تأتي الأسماء تابعة له، لا منشئة لحكمه.
في حجية النقاد وأصل الرجوع إلى أهل الخبرة
إذا كان الحكم على الخبر موقوفًا على معرفة أحوال ناقليه، واستقراء مروياتهم، وجمع طرقهم، وتمييز علل أخبارهم، لم يكن ذلك مما يتأتى لكل أحد، لأن هذه الصناعة مبنية على ملكة لا تحصل بمجرد معرفة قواعدها، بل تفتقر إلى طول ممارسة، وسعة استقراء، وكثرة مقارنة، حتى تصير تلك القواعد وصفًا راسخًا في النفس، يميز به صاحبها دقائق الأخبار كما يميز الصيرفي صحيح النقد من زائفه.
ولما كانت هذه الملكة مما يختص بأهلها، كان الرجوع إليهم مقتضى العقل، لأن العقل يقضي برد كل صناعة إلى أهلها، ولا يجيز التسوية بين من استكمل أسباب النظر ومن فقدها. وليس هذا تقليدًا مجردًا، بل هو عمل بمقتضى الدليل، إذ الدليل قد دل على أن الخبرة وصف مؤثر في صحة الحكم، فوجب اعتبارها حيث وجدت.
غير أن حكم الناقد نفسه خبر، فيفتقر أولًا إلى ثبوت نسبته إليه، ثم يفتقر بعد ذلك إلى ثبوت أهليته للحكم. فإذا ثبت النقل عنه، وثبتت خبرته بالاستقراء، وكثرة الإصابة، وشهادة أهل الفن له بالإمامة، صار قوله من جملة الأمارات المعتبرة في هذا الباب.
ولا يوجب ذلك عصمته من الخطأ، فإن العصمة ليست شرطًا في حجية أهل الخبرة، وإنما المعتبر غلبة الإصابة، لأن الأحكام العملية تدور مع الغالب، لا مع النادر. ولهذا جاز أن يخطئ الناقد في بعض أحكامه، كما يجوز أن يخطئ الفقيه في اجتهاده، والطبيب في تشخيصه، من غير أن يسقط ذلك أصل الاعتماد على خبرته.
فإذا اتفق النقاد على حكم، كان اتفاقهم من أقوى المرجحات، لأن اتفاق أهل الخبرة لا يكون في العادة عن غير مستند، سواء ظهر ذلك المستند أو خفي. وإن اختلفوا، لم يكن الاختلاف في نفسه موجبًا لإسقاط أقوالهم، بل ينظر في أسبابه، وفي مراتبهم في الحفظ، وسعة الاستقراء، واختصاص بعضهم ببعض الشيوخ أو البلدان أو الأبواب، ثم يرجح القول الذي عضدته القرائن، لأن الترجيح تابع لقوة المقتضي، لا لكثرة القائلين مجردة.
ومن ثم لم يكن علم النقد حفظًا لأقوال الرجال فحسب، بل كان نظرًا في مناهجهم، وفهمًا لاصطلاحاتهم، ومعرفة بمراتبهم، حتى يوضع كل حكم في موضعه، ويعطى كل ناقد منزلته التي يستحقها بحسب قوة ملكته وسعة اطلاعه.
وإذا تبين هذا، ظهر أن الاعتماد على أئمة النقد ليس خروجًا عن مقتضى العقل، بل هو عين مقتضاه، لأن العقل لا يوجب على كل أحد أن يستأنف النظر فيما استفرغ فيه أهل الخبرة أعمارهم، وإنما يوجب عليه أن يحسن اختيار من يرجع إليه، وأن يزن أقوالهم بالقواعد التي يقتضيها النظر الصحيح.
في مراتب الناظرين في الأخبار وخاتمة المقالة
لما كان النظر في الأخبار مبنيًا على استقراء أحوال المخبرين، وجمع الطرق، وتمييز وجوه الاتفاق والافتراق، والكشف عن العلل الخفية، لم يكن ذلك في وسع كل أحد، بل تختلف فيه مراتب الناس باختلاف ما آتاهم الله من العلم والآلة والخبرة. ومن ثم كان الواجب في هذا الباب تابعًا للقدرة، لأن التكليف إنما يتعلق بالمقدور، وما عجز عنه المكلف انتقل فيه إلى ما يقوم مقامه.
فمن استكمل آلة النظر، وجب عليه أن يحكم بما انتهى إليه اجتهاده، ولا يسعه العدول عنه إلى تقليد غيره. ومن قصر عن تلك المرتبة، وجب عليه الرجوع إلى من قامت الدلائل على خبرته، بعد استفراغ الوسع في معرفة أهليته، لأن الرجوع إلى أهل الخبرة ليس عدولًا عن الدليل، بل هو عمل بالدليل الذي دل على اعتبار الخبرة في موضعها.
ولا يختلف هذا الأصل باختلاف العلوم، فإن العقل يقضي بأن كل صناعة إنما تؤخذ عن أهلها، وأن من جهل طريق الحكم في فن، لم يكن له أن يستقل فيه برأي مجرد، كما لا يسوغ له أن يرد أحكام أهله بغير علم. وإنما يكون النظر فيمن هو أولى بالاتباع، وأقوم بالخبرة، وأبعد عن أسباب الخطأ، فإذا ترجح عنده أحدهم، لزمه العمل بقوله حتى يظهر له ما هو أولى منه.
وعلى هذا تنتظم مراتب الناس في هذا الباب، فيجتهد الناقد في نقد الأخبار، ويجتهد من دونه في معرفة النقاد، ويجتهد العامي في معرفة من يثق بخبرته من أهل العلم. فلكل مرتبة اجتهادها، ولكل مكلف ما يليق بحاله، ولا يكلف أحد بما خرج عن وسعه.
وإذا انتظم ما تقدم من الأصول، ظهر أن قبول الخبر ورده لا يدوران على الاصطلاح، ولا على مجرد الانتماء إلى مدرسة من المدارس، وإنما يدوران مع الأوصاف المؤثرة التي دل العقل على اعتبارها. فالخبر إنما يقبل إذا أمنت أسباب الكذب، وأمنت أسباب الوهم، وثبت اتصال طريقه، وسلم من المعارض الراجح، وقويت دلالته بحسب ما احتف به من القرائن. وكل شرط من هذه الشروط إنما اعتبر لأنه يحقق مناط مطابقة الخبر للواقع، أو يدفع ما يناقضها.
ومن هنا يتبين أن ما قرره أئمة الحديث ليس إنشاءً لأحكام لا يشهد لها العقل، ولا اصطلاحًا محضًا لا يعرف وجهه، وإنما هو استقراء تام للأوصاف التي يتوقف عليها الحكم في كل خبر. فما سموه عدالة هو الوصف الذي يؤمن به من الكذب، وما سموه ضبطًا هو الوصف الذي يؤمن به من الوهم، وما اشترطوه من الاتصال إنما هو إحراز لطريق العلم، وما اعتبروه من الشذوذ والعلة إنما هو استكمال للنظر بعد تحقق مقتضي القبول، وما قرروه في التواتر إنما هو اعتبار لأثر الكثرة إذا استقلت مواردها وانتفت أسباب التواطؤ والاشتباه.
فكانت صناعة المحدثين أكمل الصناعات الخبرية، لأنها لم تقتصر على تقرير القواعد، بل استقرأت جزئياتها، وطبقتها على آحاد الأخبار، حتى بلغت في التحرير مبلغًا لم يعرف له نظير في تاريخ الأمم. ولم يكن ذلك فضل اصطلاح مجرد، بل ثمرة اجتماع النظر العقلي مع الاستقراء الواسع، حتى وافق الفرع أصله، والجزئي كليه، والغائب شاهده.
فهذه أصول نقد الأخبار مجردة عن صورها، مردودة إلى كلياتها، فمن أحاط بها علم أن صحة الخبر ليست حكمًا اعتباطيًا، ولا أثرًا للذوق أو التقليد، بل هي نتيجة لازمة لاجتماع أسبابها وانتفاء موانعها، وأن مناهج أئمة الحديث إنما كانت التطبيق الأكمل لهذه الأصول، لا لأنها خارجة عن مقتضى العقل، بل لأنها أوفى الصناعات وفاءً به، وأدقها تحقيقًا لمناطه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

