لا يمكن الخوض في أي نقاش أخلاقي قبل تحرير محل النزاع وبيان المقصود بالألفاظ المستعملة فإن كثيرا من الخلافات الأخلاقية لا تنشأ من اختلاف في النتائج بقدر ما تنشأ من اختلاف في فهم ماهية الأخلاق نفسها.
الأخلاق ليست مجرد وصف لما يفعله الناس ولا هي تسجيل لعادات المجتمعات ولا هي إحصاء لما تفضله الأكثرية بل هي بحث في السؤال المعياري المتعلق بما ينبغي أن يكون. فهناك فرق جوهري بين أن نصف واقعة وبين أن نحكم عليها. قد نصف إنسانا بأنه كذب وهذا وصف لواقعة أما قولنا إن الكذب خطأ فهو حكم معياري يتجاوز مجرد الوصف إلى التقويم.
ومن هنا كان موضوع فلسفة الأخلاق هو البحث في الأسس التي تجعل الحكم الأخلاقي صحيحا أو باطلا لا مجرد البحث في اختلاف الأذواق والعادات. فهي تسأل ما مصدر القيمة وما معنى الخير والشر وما الذي يجعل فعلا ما واجبا أو محرما وهل الأحكام الأخلاقية حقائق موضوعية أم مجرد تفضيلات شخصية أو اجتماعية.
ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور كثيرا ما يقع الخلط بينها وهي الفعل الأخلاقي والحكم الأخلاقي والمعيار الأخلاقي. فالفعل هو ما يصدر عن الإنسان والحكم هو وصف ذلك الفعل بأنه حسن أو قبيح أو واجب أو محرم أما المعيار فهو الأصل الذي استند إليه هذا الحكم. ولا يمكن أن يوجد حكم أخلاقي صحيح بلا معيار سابق عليه لأن الحكم فرع عن المعيار لا منشئ له.
ومن هنا يظهر أن السؤال الحقيقي في فلسفة الأخلاق ليس هل يختلف الناس في أخلاقهم فإن هذا أمر مشاهد لا ينكره أحد وإنما السؤال هو هل يوجد معيار يمكن الاحتكام إليه عند هذا الاختلاف أم أن كل مجتمع وكل فرد يصنع معاييره الخاصة. وهذا هو السؤال الذي ستدور حوله هذه السلسلة لأنه يمثل أصل النزاع بين مختلف المدارس الأخلاقية القديمة والمعاصرة.



المشكلة ليست في المعيار الذي يجب أن نحتكم اليه المشكلة الحقيقية أصبحت في سيولة القيم في هذا العصر كل مجتمع يريد الاخلاق على ما يخدم المصالح الشخصية