شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أصلًا عظيمًا في ذلك بقوله:
"كما أن لازم الحق حق، والدليل ملزوم لمدلوله، فمتى ثبت ثبت مدلوله، ومتى وجد الملزوم وجد اللازم، ومتى انتفى اللازم انتفى الملزوم، والباطل شيء، وإذا انتفى لازم الشيء علم أنه منتف، فيستدل على بطلان الشيء ببطلان لازمه، ويستدل على ثبوته بثبوت ملزومه، فإذا كان اللازم باطلًا فالملزوم مثله باطل."
درء تعارض العقل والنقل (1/42).
وفي المنطق الرمزي تعبر العلاقة بين الملزوم (Antecedent) واللازم (Consequent) بالعلاقة الشرطية اللزومية، وتكتب على النحو الآتي:
P ⇒ Q
أي أن ثبوت P يستلزم بالضرورة ثبوت Q، ولا عكس. وهذا لكون اللازم أعم من الملزوم، فثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ولا يستلزم ثبوت الأعم ثبوت الأخص.
فلو قيل: وجودي في بغداد يلزم وجودي في العراق، فهذا صحيح؛ لأن بغداد جزء من العراق. لكن وجودي في العراق لا يستلزم وجودي في بغداد، لاحتمال أن أكون في أي محافظة أخرى.
أما في جانب النفي، فإن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ويعبر عنه بالصيغة:
¬Q ⇒ ¬P
فعدم وجودي في العراق يستلزم عدم وجودي في بغداد، أما عدم وجودي في بغداد فلا يستلزم عدم وجودي في العراق.
وهذا يبرز أن علاقة اللزوم في حقيقتها علاقة عموم وخصوص مطلق، وهي مؤسسة على مبدأ عدم التناقض؛ لأن القول بوجودي في بغداد مع نفي وجودي في العراق هو في حقيقته جمع بين النقيضين.
ومن هنا تتبين القاعدتان العظيمتان:
أولًا: لازم الحق حق.
فإذا ثبت الملزوم ثبت لازمه، وإذا ثبت الدليل ثبت مدلوله.
لكن ليس كل ملزوم للحق حقًا بمجرد ثبوت لازمه، لأن الاستدلال بثبوت اللازم على ثبوت ملزوم معين هو مغالطة تأكيد التالي (Affirming the Consequent).
فوجودي في العراق لا يثبت بالضرورة أني في بغداد.
ثانيًا: ملزوم الباطل باطل.
فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
لكن ليس لازم الباطل باطلًا بمجرد نفي ملزوم معين، لأن الاستدلال بنفي الملزوم على نفي اللازم هو مغالطة نفي المقدم (Denying the Antecedent).
فعدم وجودي في بغداد لا يستلزم عدم وجودي في العراق.
ومن أعظم تطبيقات هذه القاعدة ما يقع في بعض الاستدلالات العلمية المعاصرة.
فقد ناقشت كثيرًا من الداروينيين، فوجدت أن كثيرًا من احتجاجهم يقوم على نجاح توقعات النظرية.
فمثلًا: تتوقع النظرية أن تظهر المائيات قبل البرمائيات، والبرمائيات قبل الثدييات في السجل الأحفوري، ويقال إن الواقع وافق هذا الترتيب.
فيكون البناء المنطقي عندهم:
التطور ⇒ التدرج الأحفوري.
لكنهم ينتقلون بعد ذلك إلى القول:
وجد التدرج الأحفوري، إذن التطور صحيح.
وهذا انتقال من اللازم إلى الملزوم، وهو صورة مغالطة تأكيد التالي، لأن التدرج قد يفسر بأكثر من فرض، كأن يكون الله سبحانه خلق المخلوقات خلقًا مستقلًا متدرجًا، فإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال على تعيين ذلك الملزوم.
أما لو انتفى التدرج الأحفوري الذي تزعم النظرية لزومه، لكان ذلك دليلًا على بطلان النظرية، لأن:
P ⇒ Q
¬Q ⇒ ¬P
وكذلك بعض صور الاحتجاج للانفجار العظيم، كقولهم:
لو صح الانفجار العظيم لوجد إشعاع الخلفية الكونية.
وإشعاع الخلفية الكونية موجود.
إذن الانفجار العظيم صحيح.
وهذا أيضًا استدلال بثبوت اللازم على ثبوت ملزوم معين.
فمجرد نجاح التوقع لا يجعل النظرية صحيحة بالضرورة، ما لم يثبت انحصار ذلك اللازم فيها دون غيرها.
وهذه الأصول نفسها تكشف فساد كثير من استدلالات أهل البدع.
فمن ذلك احتجاج المعتزلة على امتناع رؤية الله تعالى بقولهم:
كل جسم يُرى.
والله يُرى.
إذن هو جسم.
وهذا أيضًا انتقال من لازم إلى ملزوم، لأن الرؤية أعم من الجسمية، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص.
ولهذا قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح البخاري:
"وقوله ﷺ: «ترون ربكم كما ترون هذا القمر» شبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، فإن الكاف دخلت على الرؤية."
فالرؤية هي اللازم الأعم، وليس في ثبوتها إثبات لمماثلة سائر المرئيات، كما أنه ليس في ثبوت الأعم ثبوت للأخص.
ومن هنا يظهر تكامل المنهج التيمي، فهو يبدأ بتحرير الألفاظ، ثم تحقيق المعاني، ثم إثبات مطابقتها للواقع، ثم تحقيق اللزوم بين القضايا، فلا يقبل لفظًا مجملًا حتى يفسر، ولا لازمًا حتى يثبت، ولا قياسًا حتى يتحقق من صحة لزومه. ولهذا كانت عامة شبهات أهل الكلام والفلاسفة والمبتدعة راجعة إلى إجمال في الألفاظ، أو توهم في اللوازم، أو نقل أحكام الذهن إلى الخارج بغير برهان، فجاء هذا المنهج جامعًا بين سلامة اللغة، وصراحة العقل، وصحة الاستدلال، ومطابقة الواقع.


