قرر الفلاسفة أن القابلية المحضة أصلٌ جوهري، وأنها ليست وصفًا عارضًا للموجود، بل جوهر قائم بنفسه هو الهيولى الأولى، وهي المحل القابل للصور الجوهرية. وعلى هذا الأصل بنوا تفسيرهم للكون والفساد، فجعلوا الاستحالة انقلابًا في الصورة مع بقاء الهيولى بعينها، إذ المادة عندهم ثابتة بالشخص، وإنما تتعاقب عليها الصور تعاقب الفعل على القوة، واستدلوا على ذلك بجملة من المسالك، كدليل القطع، ودليل التخلخل، وغيرهما مما يقتضي ـ في زعمهم ـ إثبات محل شخصي باقٍ يكون موضوعًا لتعاقب الصور.
وأما عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن الإمكان الذاتي يستلزم قبول الموجود الممكن للاستحالة والانقلاب من حيث ذاته، لا من حيث حلول صورة فيه بعد مفارقة أخرى. فمحل الاستحالة هو الموجود الجزئي نفسه، لا جوهر آخر قائم به يسمى مادة أو هيولى. ولذلك لا يثبت في الخارج قابلٌ مجرد عن المتعين، ولا جوهر بالقوة مغاير للجوهر بالفعل، بل الموجود الخارجي واحد في تحققه، فإذا تبدلت حقيقته تبدل هو بعينه، لا أن بعضه بقي وبعضه ارتفع. فالاستحالة عند الفلاسفة انتقال الصور مع بقاء الموضوع، وعند ابن تيمية زوال الموجود الأول وحدوث الموجود الثاني من غير افتراض محل جوهري ثابت وراء الموجود الخارجي.
ومن ثم فإن الهوية الشخصية ليست أمرًا زائدًا على حقيقة الموجود، بل هي عين تعينه الخارجي. وما به يكون الشيء هو هو ليس وصفًا خارجًا عن ذاته، وإنما هو نفس تقرره في الخارج. فإذا ارتفع ذلك التقرر ارتفعت الهوية العددية ضرورة، إذ لا يتصور بقاء الشخص مع زوال ما به تشخصه. ولهذا كانت دعوى بقاء محل شخصي بعد ارتفاع الهوية إثباتًا لموجود مجرد عن التشخص، وما لا تشخص له لا وجود له في الأعيان، وإنما يفرضه الذهن فرضًا.
وهذا هو الفارق الجوهري بين المذهبين؛ فإن الفيلسوف يجعل الشخصية راجعة إلى الصورة، ويجعل الهيولى قوة محضة باقية تحت تعاقب الصور، مع أنها في نفسها مجردة عن كل تعين. وأما ابن تيمية فيبطل هذا الأصل، لأن ما كان مجردًا عن التعين امتنع تحققه في الخارج، إذ الوجود الخارجي لا يكون إلا لمعين، وما لا تعين له لا وجود له إلا في الاعتبار الذهني.
والاستحالة يشهد بها الحس ابتداءً، ويحكم بها العقل انتهاءً؛ فإن الحس يشهد بانعدام الموجود الأول ووجود موجود آخر، والعقل يقضي بأن ما زالت حقيقته المقومة زالت هويته العددية، لأن الهوية ليست أمرًا منضمًا إلى الحقيقة، بل هي نفس الحقيقة من حيث تحققها الخارجي. ففرض بقاء الموضوع الشخصي مع ارتفاع جميع المقومات ليس إلا فرضًا لموجود بلا حقيقة معينة، وهو جمع بين الوجود والعدم من جهة واحدة.
وكذلك المحلية ليست أمرًا مباينًا للهوية، بل هي عين تحقق الموجود الخارجي. فلا يعقل محل متشخص إلا وله هوية، كما لا تعقل هوية قائمة بلا تحقق. فإذا استحالت الهوية استحالت المحلية معها، لأنهما متلازمان وجودًا وعدمًا، وإنما يفترقان في الاعتبار الذهني لا في الخارج.
وعلى هذا يبطل اعتراض من زعم أن مذهب ابن تيمية لا يمنع بقاء محل قديم مع الاستحالة، فإن هذا المنع إنما يتقرر على أصله أتم تقرير؛ لأن الحس يدل على زوال الموجود الأول، والعقل يمنع إثبات محل شخصي مجرد عن مقوماته. وأما من أثبت هيولى باقية فقد لزمه تعيينها، فإن كانت متعينة بطلت دعوى كونها قوة محضة، وإن لم تكن متعينة لم يثبت لها وجود خارجي، إذ الوجود لا يتحقق إلا لمعين، وما لا تعين له فليس إلا اعتبارًا ذهنيًا، لا موجودًا عينيًا.
فالحاصل أن الدائم ليس محلًا شخصيًا قائمًا بذاته، وإنما هو دوام الإمكان النوعي والقابلية الكلية، وأما القابل الشخصي فتابع لتعين الموجود، يدور معه وجودًا وعدمًا، فإذا ارتفع التعيّن ارتفع القابل الشخصي ضرورة، ولم يبق في الخارج إلا موجود آخر مباين له بالهوية العددية، لا صورة حادثة في مادة قديمة.

