نفرض أن تمام العلة قد تحقق في لحظة معينة نسميها t، ونسأل: متى يقع الأثر؟ لا يخرج الجواب عن ثلاث صور ممكنة: قبل t، أو معها، أو بعدها.
فأما وقوع الأثر قبل تمام علته، فباطل بالضرورة، إذ يقلب علاقة العلة والمعلول. وأما وقوعه معها في اللحظة عينها، فباطل كذلك، لأن تعيين وقوع الحادث في تلك اللحظة بالذات يقتضي عنصرًا حادثًا داخل "تمام العلة" نفسه في t، وهذا العنصر الحادث لا بد أن يكون محتاجًا في تلك اللحظة إلى تمام آخر يفسر حدوثه، وذلك التمام إلى آخر، وهكذا في سلسلة لا تنتهي من "التمامات" الآنية داخل اللحظة الواحدة، وهو تسلسل محال.
فلا يبقى إلا أن يقع الأثر بعد t. لكن متى بالضبط؟ إن قيل إنه يتأخر عن أقرب آن تالٍ نرمز له بـ t+ بغير سبب زائد، كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح. وإن قيل إن بين t و t+ يوجد مرجح حادث يخصص زمن الوقوع، لزم أن يكون ذلك المرجح جزءًا من التمام، فلم يكن التمام حاصلًا في t، وبذلك تبطل فرضية أن العلة كانت تامة في تلك اللحظة. فالمخرج الوحيد الممكن هو أن يقع الأثر في t+.
C(t) ⇒ E(t+)
وهذا الحكم لا يحتاج إلى مرجح زائد، لأن t+ ليس بديلًا بين أزمنة متكافئة كي يفتقر إلى تخصيص، بل هو الموضع البنيوي الوحيد الممكن بعد استبعاد المقارنة والتأخير الاعتباطي.
وعلى هذا، فإن امتناع المقارنة ليس مانعًا داخليًا داخل التمام، لأن المانع في تعريف العلة التامة هو أمر خارجي يمكن رفعه كالرطوبة أو العازل. أما امتناع المقارنة فقيد عقلي بنيوي يحكم العلاقة بين التمام وأثره، إذ لو قارن الأثر تمامه لزم تسلسلًا آنيًا في التمامات. فليس هذا مانعًا يضاف إلى التمام ثم يرفع، بل قاعدة تنظم التوقيت: التمام في t، وموضع الأثر في t+.
وقد يعترض بأن اجتماع الشروط نفسه حادث فهو محتاج إلى علة. وهذا صحيح، غير أن البرهان هنا محلي، فما إن يتحقق التمام في لحظة ما، فإن وقوع الأثر يعقبه ضرورة، بغض النظر عن سلسلة الأسباب السابقة على تلك اللحظة.
وقد يقال أيضًا إن التمام ينقسم إلى شروط ثم ارتفاع مانع زماني، فليكن وقوع الأثر مقارنًا لارتفاع المانع. لكن إن كانت الشروط قائمة في t وارتفع المانع في t+، فقد اكتمل التمام كله في t+، فيعود الإشكال نفسه، فالمقارنة في تلك اللحظة تستلزم تسلسلًا آنيًا جديدًا. وإن قيل إن المانع ارتفع بلا علة، نقض مبدأ السبب الكافي. وإن قيل إن له علة تمت في t، عاد التسلسل الآني في علة ارتفاع المانع. فلا مخرج إذن إلا القول بالعقب.
ويقال أحيانًا إن المقارنة الممنوعة هي مقارنة الأزل، لا مقارنة الحوادث. لكن المنع هنا ليس متعلقًا بالأزل، بل ببنية العلاقة نفسها، فالمقارنة في أي لحظة حادثة تستلزم تسلسلًا آنيًا في التمامات داخل تلك اللحظة، وذلك ممتنع عقلًا.
وقد يقال: لم لا يكون تخصيص اللحظة t بوقوع الحادث هو نفس تمام العلة؟ فنقول: إن كان التمام موجودًا قبل t، فلم لم يقع الأثر قبلها؟ فذلك ترجيح بلا مرجح. وإن لم يكتمل التمام إلا في t بحدوث جزء متمم، فقد عادت المقارنة، وعاد التسلسل الآني. فبطل أن يكون تمام العلة وحده مخصصًا لعين t.
وأما الاعتراض القائل: "ولِمَ لا تلزم t+ بمرجح؟" فالجواب أن t+ لا يحتاج إلى مرجح، لأن ما عداه ممتنع؛ فـ t ممتنع للتسلسل الآني، وما بعد t+ ممتنع إلا بمرجح جديد يبطل تمام العلة في t. فلا مفاضلة هنا تطلب مرجحًا، بل ضرورة منطقية.
وأما ما يسمى بـ "الآن الصالح"، فإن أريد به تحقق t+ بوصفه أول آن ممكن بعد زوال الامتناع البنيوي للمقارنة، فذلك صحيح، لكنه ليس "ارتفاع مانع خارجي"، بل توصيف لبنية التتابع الزمني ذاتها.
ويظهر من هذا أن القول بعلة موجبة بالذات تقارنها المعلولات أزلًا ـ كما في بعض المذاهب الفلسفية ـ يستلزم قدم العالم. أما القول الصحيح فهو نفي المقارنة، وإثبات أن الآثار تعقب تمام عللها، فيكون كل فرد من الحوادث حادثًا، وإن كان نوع الفعل متجددًا دائمًا شيئًا بعد شيء.
فالنتيجة أن العلة إذا تمت في لحظة t، امتنع أن يقع أثرها فيها، وامتنع أن يتأخر عن t+ إلا بمرجح زائد يبطل دعوى التمام، فتعين أن يقع الأثر في t+. وليس هذا ترجيحًا بلا مرجح، لأن t+ ليس بديلًا من بين بدائل ممكنة، بل هو الموضع البنيوي الوحيد المتاح بعد سقوط سائر الصور بالبرهان.
وهكذا يثبت العقب الزماني، وتزول الإلزامات كلها التي أثيرت في هذا الباب: لا مقارنة، ولا ترجيح بغير مرجح، بل تعاقب عقلي منظم يجعل التمام في t، والأثر في t+، ضرورة منطقية لا اختيارًا عرضيًا.


