تحتل الملكة المعرفية موقعًا تأسيسيًا في المنظومة المعرفية عند ابن تيمية، إذ تمثل القدرة المعرفية التي تنتظم من خلالها مختلف العمليات الإدراكية والاستدلالية. فهي ليست مصدرًا مستقلًا للمعرفة في مقابل الوحي، كما أنها ليست مجرد أداة صورية للاستدلال، وإنما هي الاستعداد الفطري الذي به تتحقق أهلية الإنسان للإدراك والتمييز والحكم والاستدلال. ومن ثم كانت شرطًا لازمًا لتحصيل جميع العلوم، عقليةً كانت أو سمعية. ولهذا يقول ابن تيمية: «العقل شرط في معرفة العلوم، وكمالِ وصلاحِ الأعمال، وبه يكمُلُ العلمُ والعمل»، فجعل العقل شرطًا لإمكان المعرفة وصحة العمل، لا مصدرًا مستقلًا للحقيقة.
وتبدأ وظائف الملكة المعرفية بتقويم المدركات الواردة من الحواس الظاهرة والباطنة، إذ تمارس التمييز بين الموجودات، وتصحح ما قد يعتري الإدراك الحسي من خطأ أو اشتباه، بما يضمن سلامة المعرفة الأولية التي تُبنى عليها سائر العمليات المعرفية.
وعلى أساس هذا الإدراك، تكوّن الملكة المعرفية تمثلات ذهنية للموجودات الجزئية، فتحفظ صورها وتستحضرها عند الحاجة، كما تدرك المعاني الملازمة لها، كالمحبة والبغض، والصداقة والعداوة، وسائر العلاقات المرتبطة بالأعيان الخارجية، فتغدو هذه المضامين جزءًا من الرصيد المعرفي الذي تستثمره في عملياتها اللاحقة.
ولا يقتصر نشاطها على استقبال المعطيات الحسية، بل تمتلك قدرة على إعادة بناء المحتوى الذهني عبر عمليتي التفريغ والتركيب، فتفصل بعض الصفات عن موضوعاتها، ثم تعيد تأليفها في تصورات جديدة، سواء وافقت الواقع الخارجي أم لم توافقه. وبهذه القدرة تتشكل الفروض الذهنية والتصورات الافتراضية، دون أن يقتضي ذلك وجودها في الخارج.
ثم تعالج الملكة المعرفية ما اختزنته من المدركات، فتقارن بين الجزئيات، وتكشف عن أوجه التشابه والتباين بينها، ومن خلال ذلك تنتزع القدر الكلي المشترك بإلغاء الخصائص المميزة، فتتكون المفاهيم الكلية بوصفها معاني ذهنية مجردة من الجزئيات، لا موجودات قائمة بذاتها خارجها.
ويواكب ذلك تنظيم المعرفة عن طريق التصنيف، فتدرج الجزئيات تحت كلياتها المناسبة، وترتب الأنواع ضمن أجناسها، كما تميز بين الصفات اللازمة المشتركة والصفات اللازمة المختصة، الأمر الذي يمكنها من بناء بنية مفهومية منضبطة للموجودات.
وبعد اكتمال مرحلة التصور، تنتقل الملكة المعرفية إلى مرحلة التصديق، فتصدر الأحكام على النسب بين الموضوعات، سواء كانت أحكامًا يقينية أم ظنية، وتكوّن القضايا الجزئية والكلية، وتستحضر المقدمات المناسبة، ثم توظف مختلف أنماط الاستدلال، كالاستلزام، والقياس، والاستقراء، للوصول إلى النتائج التي تقتضيها الأدلة.
ومن وظائفها كذلك تحقيق الاتساق العقلي، وذلك بالتسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، إذ يمثل هذا الأصل قاعدة حاكمة في بناء الأحكام وتقويم الاستدلال، فلا يُفرَّق بين متماثلين، ولا يُسوَّى بين مختلفين.
كما تضطلع ببناء القضايا الكلية من خلال تعميم الخبرات الجزئية، ولا سيما بواسطة قياس التمثيل المستند إلى التجريبيات، والحدسيات، والأوليات العلمية والعملية، فتتشكل الأحكام الكلية بوصفها ثمرةً للنظر في الجزئيات وانتظامها.
ومن وظائفها أيضًا تقدير الفروض الممتنعة، كتصور اجتماع النقيضين، لا لإثبات إمكانها، وإنما لإدراك استحالتها، وبذلك تؤدي دورًا في اختبار الاتساق المنطقي للقضايا، وتمييز الممكن من الممتنع.
ولا تقف وظائف الملكة المعرفية عند حدود المعرفة النظرية، بل تمتد إلى المعرفة العملية، إذ تدرك ما يحقق مصلحة الإنسان وما يفضي إلى مفسدته، وتميز بين النافع والضار، والملائم والمنافر، فتوجه الإرادة نحو تحصيل المصالح واجتناب المفاسد، وبذلك يتحقق التكامل بين المعرفة والعمل، وهو أصل أصيل في التصور التيمي.
وخلاصة الأمر أن الملكة المعرفية تمثل، في المنظومة المعرفية عند ابن تيمية، القدرة المؤسسة لمختلف العمليات الإدراكية والاستدلالية. فمن خلالها يتحقق تصحيح الإدراك، وتكوين التمثلات الذهنية، وإدراك المعاني الجزئية، والتفريغ والتركيب، والمقارنة، وتجريد الكليات، والتصنيف، وإصدار الأحكام، واستحضار المقدمات، وممارسة الاستدلال، وبناء القضايا الكلية، والتسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، وتقدير الممتنعات، وإدراك المصالح والمفاسد. ومن ثم فإن وظيفتها ليست إنشاء المعرفة من العدم، وإنما تمكين الإنسان من إدراكها ومعالجتها وتقويمها في ضوء الفطرة السليمة، والمعطيات الحسية، والعقل، والخبر الصادق، وهي الأركان التي يقوم عليها البناء المعرفي عند ابن تيمية.
والله أعلم.


